الهام فايد تكتب.. السيسي يحدد ثوابت مصر وسط الأزمة الإقليمية

في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، ومع اندلاع الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران، تتبدل موازين وتتسارع الاحداث بصورة غير مسبوقة، ويصبح السؤال الاهم: كيف تتحرك مصر وسط هذا المشهد شديد التعقيد؟ الاجابة جاءت واضحة في حديث فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي رسم بدقة ثوابت الموقف المصري، واضعا نصب عينيه هدفين لا ينفصلان: احتواء التصعيد وحماية استقرار الدولة المصرية.

هذه الحرب التي تتجاوز في ابعادها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، تنذر بمخاطر توسع اقليمي واسع، خاصة مع انخراط قوى كبرى فيها. فالصراع لم يعد مقصورا على ساحات القتال، بل امتد ليهدد امن الممرات الملاحية الدولية، ويطرح احتمالات اغلاق مضيق هرمز، ويحدث تقلبات حادة في اسواق الطاقة، فضلا عن تداعيات سياسية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الاوسط.
من هنا جاء الموقف المصري واضحا في رفض التصعيد والدعوة الى التهدئة ووقف العمليات العسكرية. فمصر تدرك ان استمرار الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران لن يقتصر تاثيره على اطرافها المباشرين، بل ستكون له انعكاسات عميقة على استقرار المنطقة باكملها، وعلى الدول التي تسعى للحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية والاقليمية.
لقد سعت مصر قبل تفجر المواجهة الى تقريب وجهات النظر وتغليب الحلول السياسية، انطلاقا من قناعة راسخة بان الحروب مهما بدت محدودة في بدايتها يصعب التحكم في مساراتها لاحقا. فالتقديرات الخاطئة في مثل هذه اللحظات الحساسة قد تدفع المنطقة كلها الى دوامة ممتدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
كما عكست اتصالات الرئيس مع قادة الدول العربية، خاصة في الخليج، تمسكا مصريا راسخا برفض الاعتداء على الدول، والوقوف الى جوار الاشقاء في مواجهة اي تهديد يمس امنهم واستقرارهم. فالامن العربي كل لا يتجزا، واي خلل في دولة ينعكس على بقية الدول، ومصر جزء اصيل ومحوري في هذه المعادلة.
ولا يمكن اغفال البعد الاقتصادي في ظل هذه الحرب. فمجرد التلويح باغلاق مضيق هرمز كفيل بارباك اسواق النفط العالمية، ورفع تكاليف الشحن والتامين، وزيادة الضغوط التضخمية على اقتصادات عديدة. كما ان حركة الملاحة في قناة السويس كانت قد تضررت بالفعل منذ احداث ما بعد 7 اكتوبر 2023، ولم تستعد بعد كامل عافيتها، ما يجعل اي تصعيد جديد عاملا اضافيا يفاقم الخسائر ويزيد من حجم التحديات الاقتصادية.
ورغم تعقيدات المشهد، فان الدولة المصرية اكدت انها تتابع التطورات لحظة بلحظة، ودرست مختلف السيناريوهات المحتملة، واتخذت الاجراءات الكفيلة بتامين الاحتياجات الاساسية وحماية الجبهة الداخلية. الرسالة للمواطنين واضحة: لا داعي للقلق، فمؤسسات الدولة تتحرك وفق خطط مدروسة، مع الاستعداد لكل الاحتمالات، مهما طال امد الازمة.
لقد مرت مصر منذ عام 2020 بسلسلة من الازمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا الى الحرب في اوكرانيا ثم حرب غزة، وها هي المنطقة تدخل طورا جديدا من التوتر مع الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران. ومع كل ازمة كان الرهان الحقيقي على تماسك الدولة ووعي الشعب وقدرته على الصمود.
وفي خضم هذه العاصفة الاقليمية، تبقى المعادلة التي حددها الرئيس واضحة وثابتة: لا اندفاع ولا مغامرة، بل توازن وحكمة وصبر، مع تمسك كامل بحماية الامن القومي المصري، ودعم استقرار الاشقاء، والسعي الجاد لوقف نزيف الدم وتجنيب المنطقة مزيدا من الفوضى.

قد تتغير خرائط وتحالفات، وقد تشتد العواصف، لكن مصر بتاريخها ومؤسساتها وجيشها وشعبها قادرة على عبور هذه المرحلة كما عبرت غيرها. وبين اصوات المدافع وضجيج السياسة يبقى الهدف ثابتا لا يتغير: ان تظل مصر امنة مستقرة، وان يظل قرارها نابعا من مصالحها العليا، مهما تعقدت الحسابات وتشابكت الصراعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!