“الحقيقة لا تموت والغياب لا يسقُط بالتقادم”.. حزب المحافظين يطلق “وحدة العدالة الجنائية” ويدشن أول “غابة ذاكرة” في الشرق الأوسط لمواجهة الاختفاء القسري

في تحرك سياسي وحقوقي بارز، نظمت أمانة الحقوق والحريات بحزب المحافظين، بالتعاون مع مبادرة “نباتات الذاكرة”، لقاءً مفتوحاً موسعاً تحت عنوان “نباتات الذاكرة ومقاومة النسيان”، بالتزامن مع الاحتفال بـ “اليوم العالمي للتعايش معاً في سلام”.
وشهد اللقاء حضوراً حاشداً من القيادات الحزبية، البرلمانيين، والحقوقيين، إلى جانب أسر المختفين قسرياً وسجناء الرأي، لفتح نقاش معمق حول حماية “الحق في الذاكرة” كجزء أصيل من حقوق الإنسان، وترسيخاً لرؤية مفادها أن السلام الحقيقي والمستدام يبدأ من تحقيق العدالة وكشف الحقائق.
حزب المحافظين: تدشين “وحدة العدالة الجنائية” والوضع الحقوقي يذهب للأسوأ
افتتحت الفعالية آية عبد الحميد، أمينة الحقوق والحريات بحزب المحافظين، مؤكدة أن كرامة الإنسان وحريته هما حجر الزاوية في الدولة المدنية الديمقراطية. وقالت في مستهل كلمتها: “في ظل المشهد السياسي الحالي، وما نتحدث عنه بشأن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، نرى أن الوضع يذهب للأسوأ طوال الوقت. ومن هذا المنطلق، أحببت العمل على ملف سجناء الرأي كمسؤولة عن ملف الحريات بالحزب، لكي لا يكون هذا الملف عائقاً بيننا وبين الدولة في أي مصالحة وطنية”.
وأعلنت عبد الحميد عن تدشين “وحدة العدالة الجنائية” داخل أمانة الحقوق والحريات، لمأسسة الجهود المقبلة وفرض القضية على طاولة المفاوضات، وإعادة وضع ملف المختفين قسرياً على الساحة.
وطالبت بالحق في الأمان والحرية والكرامة استناداً للدستور، المواثيق الدولية، ومخرجات الحوار الوطني، داعية إلى محاسبة الجهات الرسمية، وفتح قنوات تواصل مع المجلس القومي لحقوق الإنسان ولجنة العفو الرئاسي. كما طالبت بانضمام مصر للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، معلنة عن تنظيم فعاليات متعددة حول هذا الملف.
وأشادت عبد الحميد بمبادرة “نباتات الذاكرة” ومؤسستها نورهان حسن، واصفة إياها بأنها نموذج للسلمية في المطالبة بالحقوق، ورفضٌ للتطبيع مع الغياب وجبر الضرر وتحويل ألم الأسر إلى قوة عمل حقيقية.
“نباتات الذاكرة”: 7 سنوات على غياب “أحمد حسن” والمقاومة مستمرة
من جانبها، تحدثت نورهان حسن، مؤسسة مبادرة “نباتات الذاكرة”، عن تجربتها الشخصية القاسية مع غياب شقيقها “أحمد حسن” المختفي قسرياً منذ 7 سنوات (تحديداً منذ الأول من أبريل 2019)، وكان يبلغ من العمر حينها 18 عاماً.
وأشارت حسن إلى أن الاختفاء القسري يسرق الإحساس بالأمان، وهو أمر يدعو إلى الغضب ويجعل الأسر تتصرف بشكل يشوبه اليأس. وأكدت التمسك بحق معرفة مصير شقيقها، موضحة أن “جبر الضرر” يقتضي أن تكشف الدولة عن مصير هؤلاء الأشخاص، لاسيما وأن هذا الملف يمثل وجعاً كبيراً للأسر المعنية. وأوضحت أن مبادرة “نباتات الذاكرة” جاءت من أجل أحمد وكل مختفٍ، كنوع من المقاومة السلمية لكي نظل نتذكرهم حتى يعودوا، وباعتبارها خطوة نحو فتح الباب لإغلاق هذا الملف نهائياً.
مجدي حمدان: “قاضي الحريات” يعود للبرلمان.. والحبس الاحتياطي تحول لاختفاء مقنن
وفي كلمة مؤثرة، أعلن مجدي حمدان، عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين ورئيس هيئة الإعلام السياسي به، أن الحزب سيعيد تقديم مشروع قانون “قاضي الحريات” في البرلمان الحالي من خلال النائب إسلام قرطام، بعد أن كان الحزب قد قدمه في وقت سابق.
وتطرق حمدان إلى تجربته الشخصية عام 2009 عندما كان عضواً بحزب الجبهة الديمقراطية مع الدكتور أسامة الغزالي حرب، حيث تعرض للاختفاء لمدة 7 أيام، كما استشهد بالحالة الإنسانية لوالدة المواطن “محمود كمال سعد زغلول” المحبوس والذي تعرض للاختفاء القسري لـ 3 سنوات.
ووجه حمدان رسالة للحضور قائلاً: “أيها الحضور الكريم، نجتمع اليوم لا لنستدعي الألم فقط، بل لنؤكد أن الحقيقة هي أولى خطوات السلام، وأن الذاكرة ليست مجرد حنين للماضي، بل فعل مقاومة في مواجهة النسيان الممنهج ومحاولات طمس الحكايات والضحايا. إن مبادرة (نباتات الذاكرة) تحمل رسالة عميقة؛ فالنبتة التي تُزرع باسم مفقود تصبح شاهداً حياً على أن الحقيقة لا تموت، وأن الغياب لا يسقط بالتقادم”.
وأضاف حمدان أن التوسع في الحبس الاحتياطي وتحويله إلى عقوبة ممتدة بلا حكم، جعل منه في كثير من الأحيان أحد أشكال الاختفاء القسري المقنن، وهو ما يتطلب مراجعة حقيقية تعيد الاعتبار للعدالة وسيادة القانون. وأكد أن شخصيات سياسية وشبابية كثيرة دفعت ثمن آرائها في وقت كان الوطن أحوج ما يكون فيه إلى الحوار لا الإقصاء، مشدداً على مسؤولية الأحزاب في تحويل معاناة الضحايا إلى قوانين وضمانات. واختتم بقوله: “فلا سلام بلا حقيقة، ولا استقرار بلا عدالة.. إن غياب الحقيقة هو الخطر الأكبر على هذا الوطن”.
رسائل دامعة من خلف الستار: عائلات الضحايا يتحدثون
شهدت الفعالية قراءة عدة رسائل مؤثرة بعث بها أهالي المختفين والمحبوسين:
عائلة الدكتور مصطفى النجار: وجهت الأسرة الشكر للقائمين على المبادرة والحضور، مؤكدة: “إننا لم ولن ننسى مصطفى النجار، وسنظل متمسكين بالأمل، فابسط حقوقنا وحقوقه علينا هو ألا نفقد هذا الأمل أبداً”.
والدة الشقيقين أسامة ومحمد السواح:ومر على اختفائهما قسرياً 8 سنوات كاملة. وأوضحت الرسالة أن محمد كان طالباً بجامعة الأزهر، في حين لم يتعد عمر أسامة 17 عاماً وقت اختفائه. وناشدت الأم بضرورة إظهارهما وعرضهما على القضاء فوراً إن كانا متهمين بدلاً من استمرار الغياب المجهول.
زوجة المخرج عمرو صلاح مرعي: عبّرت في رسالتها عن قسوة الأوضاع منذ لحظة غيابه، مستنكرة: “نحاول أن نفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي بالكامل؟ إن استهداف الفنانين والمبدعين هو محاولة واضحة للسيطرة على الخيال”، مشيرة إلى أن زوجها تم إخفاؤه مؤخراً ولم يكمل أسبوعاً على غيابه.ا
المفوضية المصرية للحقوق والحريات: رصد 5000 حالة اختفاء قسري خلال 10 سنوات
من جانبه، تقدم محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، بالتهنئة لنورهان حسن على تدشين المبادرة، وكشف عن أرقام صادمة تفيد برصد المفوضية لـ 5000 حالة اختفاء قسري خلال السنوات العشر الماضية، مؤكداً أن الفئات الأكثر عرضة للاختفاء تكون عادة بسبب توجهاتها وآرائها السياسية.
ووصف لطفي الاختفاء القسري بأنه عذاب ممتد وتجربة نفسية كارثية تمتد للمجتمع ككل، قائلاً: “يبدو أن أولي الأمر شعروا أن المصريين لم يعد يرهبهم الحبس أو الرصاص، وبالتالي لجأوا إلى أسلوب جديد للتخويف عبر الاختفاء القسري؛ وهو بمثابة استدعاء شيطان جهنمي يترك أثراً مرعباً في نفوس الجميع”. وأكد لطفي أن هذه الممارسة في مصر باتت “جريمة منهجية وعلى نطاق واسع، وتُصنف كجريمة ضد الإنسانية”، مثمناً خطوة حزب المحافظين في إنشاء “وحدة العدالة الجنائية” كمسار مؤسسي لمواجهة الانتهاكات.
أحمد معوض: تزوير مواعيد الضبط وتحويل الاختفاء القسري إلى “محاضر تغيب”
وفي شهادة حية، تحدث المحامي الحقوقي أحمد معوض، الذي تعرض للاختفاء القسري سابقاً، مؤكداً أن انقطاع المعلومات عن أي مقبوض عليه لأي مدة هو اختفاء قسري ومخالفة تشريعية صارخة. وروى معوض تفاصيل احتجازه في مكان غير معلوم حيث يُجرد الإنسان من هويته ويتحول إلى “رقم” معزول تماماً عن العالم وسط قلق دائم وإرهاب نفسي مستمر.
وكشف معوض عن تفاصيل صادمة واجهتها الأسر، منها احتجاز الأبناء داخل أقسام الشرطة وإنكار وجودهم تماماً أمام أعين أهاليهم، وإجبار الأسر عند تحرير محاضر رسمية على توصيف الواقعة كـ “محضر تغيب” وليس اختفاءً قسرياً لإفراغ القضية من بعدها الجنائي. كما انتقد التعاطي القضائي وعجز الدور الرقابي للنيابة العامة، مشيراً إلى أن الجهات الأمنية تقوم بـ “تعديل وتزوير مواعيد الضبط الرسمية” في الأوراق لتغطية فترة الاختفاء ورفض فتح تحقيق رسمي في الواقعة بعد ظهور المحتجزين.
عضو مجلس الشيوخ حسني سبالة: ممارسات الشرطة وصمة عار في جبين الدولة
وشن النائب حسني سبالة، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، هجوماً حاداً على آليات تطبيق القانون، قائلاً: “إن هناك فجوة كبيرة بين القانون والتطبيق؛ فالدولة المصرية لديها من القوانين والتشريعات ما يكفي، ولكن الخطأ يكمن في آليات التطبيق”. وأوضح أن الإجراءات التي تتخذها الشرطة تنزع عن الإنسان إنسانيته وهي ممارسات لا تحدث في أي دولة في العالم.
واستطرد النائب قائلاً:“إن ما يحدث من رجال الشرطة والقضاء في ملف المختفين قسرياً وسجناء الرأي هو عيب حقيقي ووصمة عار في جبين الدولة المصرية”.
ودعا سبالة كافة المؤسسات والأحزاب للتحرك الجماعي لمواجهة الدولة ووضع حد لهذه التجاوزات. وثمن مبادرة “نباتات الذاكرة” واصفاً رمزية النبات للبقاء بـ “الجميل والشيّق”، ومشدداً على أهمية توثيق الانتهاكات للحفاظ على الوعي العام والتصدي لمحاولات تزييف الوعي وتشويه الحقائق التي تلي الفترات الثورية لطمس ذكرى الشهداء والمخلصين.
أول “غابة ذاكرة” في الشرق الأوسط ومشاركة حقوقية واسعة
وفي ختام الفاعلية، شارك كافة الحضور في لفتة رمزية تضامنية من خلال غرس “نبات ذكرى” تخليداً للمختفين قسرياً، لتكون نواة لأول “غابة ذاكرة” في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط.
أبرز المشاركين في الفعالية:
من حزب المحافظين: مجدي حمدان (عضو المجلس الرئاسي ورئيس هيئة الإعلام السياسي)، طارق صدقي (وكيل المجلس التنفيذي)، وآية عبد الحميد (مسؤولة أمانة الحريات).
* **من الشخصيات والنشطاء والباحثين الحقوقيين:** ليلى سويف، ماهينور المصري، شريف عازر، راجية عمران، لينا عطاالله، نيفين عبيد، وندى نشأت.



