الجبهة الشعبية تطالب بربط الأجور بالتضخم وإصلاح منظومة المعاشات

في ندوة الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية بـ”التحالف الشعبي”: خبراء يصفون السياسات الاقتصادية بـ”الإفقار العمدي”.. ويحذرون من تفاقم أعباء الدين وتراجع القوة الشرائية

عقدت الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية (حق الناس)، ندوة موسعة تحت عنوان “السياسات الاقتصادية والاجتماعية والإفقار في بر مصر”، استضافها مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وشهدت مناقشات موسعة حول تداعيات القرارات الاقتصادية الأخيرة، ومستويات التضخم، ومستقبل الأجور والمعاشات في ظل الاتفاقيات الأخيرة مع صندوق النقد الدولي.

شارك في الندوة التي أدارها الدكتور زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي، كل من الدكتور محمد حسن خليل، والكاتب الصحفي حسن بدوي، والخبير التربوي الأستاذ علي فرماوي، والباحث الاقتصادي المهندس محمد سامي فرج،وإلهامي الميرغني القيادي بحزب التحالف الشعبي الأشتراكي ، وبحضور ممثلين عن الأحزاب الستة المشكلة للجبهة، وهي: (التحالف الشعبي الاشتراكي، الحزب الاشتراكي المصري، الحزب الشيوعي المصري، العيش والحرية، الكرامة، والوفاق العربي).

زهدي الشامي: تراجع المعيشة نتاج شروط “النقد الدولي”

في مستهل الندوة، أكد الدكتور زهدي الشامي أن النقاش يأتي في توقيت بالغ الحرج يواجه فيه المواطن المصري تراجعاً حاداً في مستوى المعيشة، مدفوعاً بالتوترات الإقليمية من جهة، والالتزام بالإجراءات الهيكلية المصاحبة لبرنامج صندوق النقد الدولي من جهة أخرى.

وأوضح “الشامي” أن المحاور الرئيسية للندوة تتركز حول الفجوة المتسعة بين الحد الأدنى الحالي للأجور والمعاشات، وبين معدلات التضخم غير المسبوقة التي تشهدها الأسواق المصرية، فضلاً عن الأزمات الإجرائية التي تواجه أصحاب المعاشات وكان آخرها تعطل منظومة الصرف الإلكتروني قبيل عطلة العيد.

د. محمد حسن خليل: مصر دولة مفقرة وليست فقيرة.. وأعباء الدين تجاوزت الحدود الآمنة

من جانبه، شدد الدكتور محمد حسن خليل على أن “مقاومة الإفقار تبدأ بمقاومة السياسات المسببة له”، ودحض الأطروحات التي تروج بأن مصر دولة شحيحة الموارد، قائلاً:

> “مصر ليست دولة فقيرة، بل هي دولة غنية بمواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وقناتها السويس وثرواتها البترولية، فضلاً عن ثروتها البشرية المعطلة؛ لذا فإن ما يعيشه المواطن هو حالة (إفقار متعمد) ناتجة عن تناقض صارخ في إدارة تلك الموارد”.

واستعرض “خليل” مؤشرات رقمية حول الوضع المالي، موضحاً:

تخفيض العملة: تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار عبر قفزات متتالية أحدث أثراً تضخمياً هائلاً في دولة تعتمد على استيراد أغلب احتياجاتها الأساسية.

الدين المحلي: تجاوز حجم الدين الداخلي حاجز الـ 11 تريليون جنيه، وتلتهم فوائده (التي تصل إلى 27%) نحو 20% من إجمالي الناتج المحلي.

الدين الخارجي: سجل مستويات قياسية تمثل عبئاً ضخماً، حيث بلغت أقساط خدمة الدين الخارجي وحدها نحو 58 مليار دولار، في حين أن الحد الآمن للدين يفترض ألا يتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتساءل خليل في ختام كلمته: “أين يذهب حصاد عمل شعبنا والناتج المحلي الإجمالي؟”، مؤكداً أن الزيادات المرحلية التي طرأت على الأجور تبخرت تماماً ولم تعد تتناسب مع قفزات الأرقام القياسية لأسعار السلع.

حسن بدوي: 85% من الاحتجاجات العمالية بسبب الأجور.. والقطاع الخاص خارج المظلة

وفي السياق ذاته، اعتبر الكاتب الصحفي حسن بدوي أن التوسع في الاقتراض الدولي وسداد مفاعيله يستهدف بشكل غير مباشر تصفية القطاعات الإنتاجية وتدمير الصناعة والزراعة الوطنية.

وانتقد “بدوي” هيكل الأجور الحالي في مصر، واصفاً إياه بـ”المليء بالعوار”، لوجود تمييز في الأجور بين الرجال والنساء، وبين طبيعة الأعمال المتماثلة، لافتاً إلى أن 85% من الاحتجاجات العمالية خلال الفترات الماضية ركزت بشكل أساسي على تدني الحد الأدنى للأجور وتآكل القوة الشرائية.

وأضاف بدوي: “حتى عندما تم رفع الحد الأدنى للاستحقاق، فإن القيمة الشرائية الفعلية مقابل الدولار تراجعت بسبب القرارات المتتالية لرفع أسعار المحروقات والطاقة، والتي تنعكس فوراً على أسعار كافة السلع والخدمات”. وأشار إلى أن ملايين العمالة غير المنتظمة، ونسبة هائلة من عاملي القطاع الخاص، لا يستفيدون فعلياً من هذا الحد الأدنى.

وطرح بدوي رؤية الجبهة الشعبية العاجلة للخروج من الأزمة، والتي شملت:

1. ربط الحد الأدنى للأجور بمستوي التضخم الحقيقي والقيمة الشرائية.

2. مراجعة وتحديد الحدين الأدنى والأقصى للأجور سنوياً بشكل عادل.

3. إلغاء كافة أشكال التمييز في الأجور للعمل ذي القيمة المتساوية.

علي فرماوي: قانون المعاشات الجديد يحرم المسنين من حقول العمل

من جهته، شن الخبير القانوني علي فرماوي هجوماً حاداً على السياسات الحكومية المتبعة مع أصحاب المعاشات، معتبراً إياها تدميراً ممنهجاً لاستحقاقات التأمينات الاجتماعية تماشياً مع الأجندات التمويلية الدولية.

وانتقد “فرماوي” نصوص قانون المعاشات الجديد، لافتاً إلى أنه يتضمن عواراً دستورياً وإنسانياً؛ حيث يمنع صاحب المعاش من ممارسة أي عمل آخر لتحسين دخله، وفي حال عمله يتم حرمانه من معاشه المستحق قانوناً. وطالب فرماوي بضرورة تشكيل لجنة مستقلة لإدارة واستثمار أموال التأمينات لصالح أصحاب المعاشات، بعيداً عن إدارة البيروقراطية الحكومية.

محمد سامي فرج: عشوائية اقتصادية وخطورة في تحويل الديون المحلية إلى دولارية

بدوره، وصف المهندس محمد سامي فرج، الباحث والكاتب الاقتصادي، إدارة الملف الاقتصادي الحالي بـ”العشوائية”، مشيراً إلى غياب سياسة زراعية واضحة تحكم زراعة المحاصيل الاستراتيجية وتحقق الاكتفاء الذاتي أولاً قبل التوجه للتصدير الذي يفرغ السوق المحلي ويرفع الأسعار على المواطن.

وتطرق “فرج” إلى مشروع الدلتا الجديدة، موضحاً أن تكلفته الاستثمارية مرتفعة للغاية نظراً لعمليات معالجة مياه الصرف الزراعي والصيانة، حيث تصل تكلفة استصلاح الفدان الواحد لنحو 100 ألف جنيه. وحذر في الوقت نفسه من خطورة بيع الفرص الاستثمارية الجاهزة للمستثمرين الأجانب، مشيراً إلى أن تحويل بعض الديون المحلية إلى ديون بالدولار يعد من أخطر السياسات التي تساهم في إفقار المجتمع.

إلهامي الميرغني: أموال التأمينات تعرضت لعمليات استغلال منذ ثمانينات القرن الماضي

وفي قراءة تاريخية لأزمة التأمينات، أكد الكاتب الاقتصادي إلهامي الميرغني أن غياب “وحدة موازنة الدولة” حال دون التوزيع العادل للأجور وفقاً للدرجات الوظيفية.

وكشف “الميرغني” أن أموال المعاشات تعرضت لعمليات استغلال وتدني في نسب الفائدة الممنوحة لها من قِبل الدولة منذ عام 1980، مرواً بفترة تولى فيها يوسف بطرس غالي وزارة المالية والاستيلاء على نحو 196 مليار جنيه من أموال صندوق المعاشات آنذاك – بحسب تعبيره. وزاد على ذلك قيام الدولة بالاقتراض من الصناديق بموجب صكوك تسدد على 50 عاماً وبفائدة منخفضة لا تواكب التضخم، فضلاً عن صدور قانون النقابات الأخير الذي حرم أصحاب المعاشات من حقهم القانوني في تأسيس نقابات مستقلة تدافع عن حقوقهم المهدورة.

واختتمت الندوة بتأكيد المتحدثين على ضرورة تبني حزمة سياسات بديلة تعتمد على ترشيد الإنفاق الحكومي غير التنموي، وتوجيه تلك الوفورات المالية لسد العجز في الصناديق الاجتماعية وتأمين شبكة حماية حقيقية للمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!