لتقييم الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. “المحافظين” يفتح ملف “الحريات والوضع الاقتصادي” في طاولة مستديرة

شهد المقر الرئيسي لحزب المحافظين انعقاد جلسة نقاشية موسعة بنظام الطاولة المستديرة، حملت عنوان “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بين التقييم ورؤية حزب المحافظين”. وشهدت الجلسة حضوراً لافتاً من قيادات الحزب، والخبراء، وممثلي الهيئات البحثية والدينية، حيث فتح المشاركون ملفات شائكة تتعلق بتقييم التجربة الحقوقية في مصر خلال السنوات الخمس الماضية، والتحديات التي تواجه الحريات العامة، فضلاً عن الأبعاد الاقتصادية والبيئية المرتبطة بحقوق المواطن.

الجدول الزمني للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021 – 2026)

تأتي هذه الجلسة النقاشية بالتزامن مع مشارف انتهاء المدى الزمني للاستراتيجية الحالية، وفيما يلي تسلسلها الزمني والسياق الذي نوقشت فيه:

إطلاق الاستراتيجية

سبتمبر 2021

أطلقت الدولة المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عبر اللجنة الفنية التابعة لحقوق الإنسان برئاسة رئيس مجلس الوزراء، بمستهدف زمني مدته 5 سنوات.

 

جلسة التقييم الحزبية

يونيو 2026

عقد حزب المحافظين طاولة مستديرة لتقييم ما تحقق من أهداف الاستراتيجية، تزامناً مع انتهاء مداها الزمني وبحث سلبيات التطبيق والتشريعات المقيدة.

 

رؤية المستقبل (الخمس سنوات القادمة)

كشف الحزب عن معلومات تفيد بإعداد الحكومة لاستراتيجية جديدة للخمس سنوات المقبلة، وسط مطالبات حزبية بضرورة تقديم كشف حساب وإتاحة المعلومات قبل إطلاقها.

 

 

أزمة التطبيق وقانون تداول المعلومات

افتتح عبد الرحمن الحديدي، رئيس الهيئة التشريعية بحزب المحافظين، النقاش بتأكيد الهوية الاقتصادية للحزب، قائلاً:

 

“نحن في حزب المحافظين ننحاز لصغار المنتجين وصغار رجال الأعمال، وهذا لا يعني بالطبع عدم التعامل مع كبار المستثمرين، بل نسعى لبيئة اقتصادية متوازنة”.

 

وانتقل الحديدي إلى تقييم الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، موضحاً أن الحقوق والحريات ليست منحة من الحاكم بل هي أصيلة، لافتاً إلى أن الاستراتيجية جاءت من السلطة لكنها لم تلتزم بها بالرغم من أنها هي التي وضعتها. وأضاف: “نحن إزاء وضع سياسي في غاية السوء، والمحبوسون في قضايا الرأي يمثلون أزمة حقيقية، ناهيك عن القيود التي طالت حريات الترشح في المناصب الرئاسية واعتراضاتنا المستمرة على قوانين الإجراءات الجنائية”. كاشفاً أن الحكومة تعكف حالياً على إعداد استراتيجية جديدة للخمس سنوات القادمة نظراً لانتهاء الاستراتيجية الحالية (2021 – 2026).

 

من جانبه، أكد شريف إسماعيل، عضو المكتب الفني بالحزب، أن الهدف الأساسي هو تقييم الاستراتيجية المنصرمة، مشدداً على غياب الشفافية، وقال:

 

“لو كان لدينا قانون حقيقي لتداول المعلومات، لكنا وقفنا على النتائج الواقعية وما حققته الحكومة من أهداف. هناك تضارب واضح في الأرقام بين ما تعلنه المنظمات الحقوقية المستقلة وما تعلنه الجهات الحكومية”.

 

وأشار إسماعيل إلى غياب حريات الصحافة والتعبير، مطالباً الحكومة بضرورة توضيح خطة عملها بوضوح قبل المضي قدماً في أي استراتيجية جديدة، منتقداً عدم صدور قوانين منضبطة لحماية المرأة رغم الوعود الحكومية السابقة.

 

الليبرالية والسياسات الاقتصادية كـ “انتهاك حقوقي”

وفي قراءة تحليلية، تساءل الخبير السياسي الدكتور أشرف راضي: “كيف وصلنا إلى هذه اللحظة الراهنة بعد سنوات من إصدار الاستراتيجية الحقوقية؟”، معتبراً أن الاستراتيجية صيغت في الأساس بقرار من رئيس الوزراء لإرضاء السياسة الخارجية والقوى الدولية.

 

واعتبر راضي أن السياسات الاقتصادية الحالية للحكومة تمثل “انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان” لأنها تضغط على حياة المواطن الأساسية، مستعرضاً التطور التاريخي للنظام الدولي بعد عام 1945 القائم على القيم الليبرالية التي ترتكز على ركيزتين:

 

حرية الفرد: وحقوقه المقيدة فقط بعدم التعدي على حريات الآخرين.

 

المشروع الخاص: حرية الأفراد في تأسيس مشروعاتهم الخاصة والدور الحزبي في حمايتها.

 

وطالب راضي الأحزاب السياسية بالضغط على الحكومة للوفاء بالتزاماتها الموقعة مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، موجهاً دعوة لحزب المحافظين لتبني مبادرة لإطلاق “استراتيجية موازية” تعبر عن دور الأحزاب الحقيقي. كاشفاً في الوقت ذاته أن المجلس القومي لحقوق الإنسان كان قد دعا الأحزاب سابقاً للحوار، إلا أن غالبية المطالب الحزبية حينها اقتصرت على إعادة الدعم المالي الحكومي للأحزاب بدلاً من التركيز على الملف الحقوقي.

 

غياب وعي الموظفين وأزمات ذوي الإعاقة

من زاوية التنفيذ الإداري، ركّز إسلام مصطفى، كادر بحزب المحافظين، على ملف التثقيف وبناء القدرات، متسائلاً عن مدى وعي الجهاز الإداري بالدولة بمفهوم حقوق الإنسان. وقال: “أعلنت الحكومة سابقاً عن إنشاء وحدات لحقوق الإنسان في كل الوزارات، لكننا لم نلمس تغييراً حقيقياً في طريقة تقديم الخدمة للمواطن؛ لذا يجب إخضاع الموظف التنفيذي لدورات تدريبية مكثفة ليعرف كيف يتعامل مع المواطن بآدمية”.

 

وهو ما أيده محمود، وكيل الهيئة التشريعية بالحزب، منتقداً السياسات الخدمية الموجهة لذوي الإعاقة، لافتاً إلى وجود “فجوة ثقافية ووعي متفاوت” بين موظفي الدولة؛ حيث يمتلك بعضهم وعياً بالحقوق بينما يجهلها الآخرون تماماً، مما يعطل مصالح المواطنين.

 

وفي ذات السياق، استعرضت آية عبد المجيد، أمينة الحقوق والحريات بالحزب، أزمات واقعية تواجه المواطنين، مثل الصعوبات البالغة التي يواجهها ذوو الإعاقة لاستخراج الكارنيهات الخدمية، قائلة:

 

“من غير المقبول أن تكون مكاتب تقديم الخدمة لذوي الإعاقة في الدور الرابع بمبانٍ تفتقر إلى وجود مصاعد كهربائية! على المواطن الفرد دور هام في الاعتراض وتقديم الشكاوى للجهات المعنية عندما يجد الخدمة تُقدم بشكل غير آدمي”.

 

الحقوق البيئية وقوانين “الكوارث” القادمة

وفجّرت أمينة الحقوق والحريات ملف “الحقوق البيئية”، مطالبة بضرورة إدراج مفهوم “الانتقال البيئي العادل” في الاستراتيجيات القادمة لمواجهة التغيرات المناخية، مشيرة بأسلوب رمزي إلى أن الأزمات المتشابكة في الشارع -بما فيها زيادة ظواهر معينة كحيوانات الشوارع- ترتبط أحياناً بالاختلالات البيئية والمناخية وغياب التنظيم العام.

 

ووصفت عبد المجيد التعديلات المطروحة على قانون الإجراءات الجنائية الجديد وتغييرات قانون الإيجار القديم بأنها بمثابة “كوارث تشريعية قادمة في السنوات المقبلة”، موضحة أن قانون البيئة المصري يعد من أعظم القوانين عالمياً، لكن أزمته الكبرى تكمن في غياب “التطبيق والتفعيل”.

 

وفي سياق متصل، استنكر جهاد محب عبود، الناشط بالحزب، التناقض الحكومي في التعامل مع الملف الأخضر، مستشهداً بـ “مذبحة الأشجار” في الشوارع المصرية، وقال:

 

“تتدخل الحكومة لقطع الأشجار والمساحات الخضراء التاريخية، ثم تعود لتشكو من التصحر وتضع خططاً ممولة لحل الأزمة التي صنعتها بيديها!”.

 

وألمح عبود إلى وجود أزمة وعي مجتمعي في طريقة إدراك المواطنين لحقوقهم، منتقداً في الوقت ذاته غياب مساحات الحرية في وسائل الإعلام التقليدية.

 

البوابة الاقتصادية لإقناع السلطة و”الاختفاء القسري”

طرح محمد تركي، وكيل الهيئة التشريعية للحزب، رؤية مغايرة لطبيعة تعامل الدولة مع الملف، معتبراً أن إصدار الاستراتيجية الوطنية في 2021 كان يستهدف “إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الغربي” كأداة لتحسين الصورة في الخارج، دون وجود إرادة سياسية حقيقية لإرضاء الداخل الشعبي، ولهذا رُسمت الاستراتيجية بلا خطة تنفيذية واضحة.

 

وقدم تركي مقترحاً براجماتياً للتعامل مع السلطة قائلاً:

 

“الحكومة الحالية لن تستجيب للشعارات الحقوقية المجردة. يجب أن نخاطبها بلغة ‘التكلفة والعائد الاقتصادي’. علينا إثبات الفوائد والاستثمارات الاقتصادية التي ستجنيها الدولة من وراء تفعيل الحريات، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، فهذا هو المدخل الوحيد الذي قد يستجيب التنفيذيون من خلاله”.

 

وفي مداخلة قانونية، أوضح محمد صبحي، عضو الحزب، ملابسات عدم توقيع مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، مشيراً إلى أن عدم التوقيع ارتبط بمسائل تتعلق بآليات المتابعة وإرسال التقارير لمجلس الأمن، مستدركاً بأن مصر قانونياً ودستورياً ملتزمة بالمواد التشريعية المحلية التي تُجرّم هذا الفعل تماماً.

 

مرصد الأزهر: رفض مصطلح “الأقليات” وترسيخ المواطنة

واختتمت الجلسة بكلمة الدكتور حمادة، ممثل مرصد الأزهر الشريف، الذي استعرض جهود المؤسسة الدينية في صياغة رؤية شاملة لمواجهة الفكر المتطرف، وترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك داخل المجتمع المصري.

 

وأعلن ممثل مرصد الأزهر عن توجه معرفي حاسم للمؤسسة، مؤكداً:

 

“الأزهر الشريف حظر تماماً استخدام عبارة ومصطلح ‘الأقليات’ في كافة أدبياته وكتاباته الرسمية، واستبدلها بمفهوم ‘المواطنة الكاملة’، تأكيداً على أن جميع أبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز ديني أو عرقي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!