خبراء واقتصاديون يحذرون: التحول لـ “الدعم النقدي” يهدد السلم الاجتماعي ويمهد لإلغاء المنظومة تماماً

حذر خبراء اقتصاديون وقيادات حزبية من المخاطر الجسيمة لتوجه الحكومة المصرية نحو تحويل منظومة الدعم العيني (السلع والخبز) إلى دعم نقدي، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل تمهيداً تكتيكياً لإلغاء الدعم نهائياً بضغط من المؤسسات الدولية. واعتبر الخبراء أن إصرار الدولة على هذه السياسات في ظل موجات التضخم القياسية وتراجع القوة الشرائية للجنيه، يهدد الأمن الاجتماعي ويضرب “العقد الاجتماعي” بين السلطة والمواطن في مقتل.
جاء ذلك خلال الندوة الرقمية التي نظمها حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” عبر الإنترنت، تحت عنوان “التحول إلى الدعم النقدي وأحوال المعيشة في مصر”، وأدارها الباحث الاقتصادي وعضو اللجنة المركزية للحزب، الأستاذ إلهامي الميرغني، بمشاركة نخبة من المتخصصين والقيادات السياسية.
112 عاماً من الدعم.. تاريخ تواجهه ضغوط “الصندوق”
استهل الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني الندوة بلمحة تاريخية، موضحاً أن نظام الدعم في مصر ليس مستحدثاً، بل هو نظام متجذر بدأ عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولى، وصمد عبر حكومات الاستعمار الانجليزي وما بعد ثورة يوليو 1952.
وأضاف الميرغني: “بينما تقدم دول كثيرة حول العالم أنظمة دعم مختلفة لمواطنيها، نجد أن صندوق النقد الدولي يصر منذ فترة طويلة على دفع مصر نحو إلغاء الدعم العيني والتحول للنقدي، وهو ما دفعنا لفتح هذا الملف الحرج لمناقشة مخاطر التخلي عن منظومة حماية الفقراء”.
أرقام صادمة.. وتضخم التهم الـ 50 جنيهاً
من جانبه، فجّرت الأستاذة مي قابيل، الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أرقاماً مقلقة حول خريطة الفقر في مصر، مستندة إلى المؤشرات الرسمية للدولة؛ حيث أوضحت أن الإحصاءات الرسمية المقدرة منذ نحو 6 سنوات كانت تشير بالفعل إلى وجود:
30 مليون مواطن تحت خط الفقر.
6 ملايين مواطن عند حد الجوع (الفقر المدقع).
30 مليون مواطن آخرين مرشحين للوصول إلى خط الفقر.
وعقّبت قابيل بأن هذه الأرقام تضاعفت وتفاقمت بكل تأكيد خلال السنوات الأخيرة نتيجة موجات التعويم المتتالية للجنيه المصري وموجات الغلاء غير المسبوقة، مما أدى لزيادة حتمية في أعداد المستحقين للدعم، في وقت يتراجع فيه عدد المستفيدين فعلياً بسب خطط الحذف الحكومية المستمرة منذ عام 2017.
وانتقدت الباحثة جمود الرؤية الحكومية قائلة: “الحكومة حددت حصة الفرد بـ 50 جنيهاً فقط لشراء السلع التموينية، وجعلت هذه القيمة ثابتة وجامدة لسنوات دون أي مراعاة لقفزات التضخم المتتالية، مما أفقد العملة قيمتها الشرائية”. وأرجعت قابيل جزءاً كبيراً من التضخم الحالي إلى “طريقة إدارة الاقتصاد محلياً وتخفيض العملة” وليس فقط الظروف الدولية.
«تكلفة دعم السلع التموينية والخبز تبلغ حوالي 178 مليار جنيه، وهو مبلغ غير مكلف للموازنة العامة للدولة بمقابل الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي الذي يوفره لملايين الفقراء».
– مي قابيل، باحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية
وحذرت قابيل من المساس بدعم رغيف الخبز، معتبرة إياه خط الدفاع الأخير للفقراء، وأن تحويله لنقد مالي سيضع رب الأسرة في “صراع أولويات” طاحن بين توفير الغذاء، وبين الارتفاع المستمر في أسعار المواصلات، الوقود، الكهرباء، والغاز، فضلاً عن تكاليف التعليم والصحة التي تتبرأ الدولة من نسب دعمها الدستورية تدريجياً.
“صدمة الشارع” وغياب الشفافية
وفي سياق متصل، استنكرت الندوة حالة التضارب الحكومي بشأن موعد وآلية التطبيق. وأشارت قابيل إلى أن الحكومة سبق وأن طرحت الملف في “الحوار الوطني” قبل عامين، لكنها تجاهلت مخرجاته تماماً، لتفاجئ المجتمع مؤخراً بإعلان التطبيق العام المقبل.
كما لفتت إلى التناقض الصارخ بين تصريحات رئيس الوزراء الذي تحدث عن تطبيق شامل العام المقبل، وتصريحات وزير التموين الذي تحدث عن تطبيق تدريجي يبدأ ببعض المحافظات؛ مؤكدة أن هذا التخبط يثبت غياب الخطة الواضحة، وأن الدولة تتبع سياسة “إدارة بالصدمة” لجس نبض الشارع وقراءة ردود الفعل.
“الزواج الكاثوليكي” مع صندوق النقد واستدعاء التاريخ
وفي قراءة تحليلية أعمق، أكد الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب التحالف الشعبي وجبهة العدالة الاجتماعية، أن الرفض المجتمعي للفكرة واسع وحاسم، كاشفاً عن استطلاعات رأي عشوائية في الشارع المصري أظهرت أن 80% من المواطنين يعترضون صراحة على التحول للدعم النقدي، تخوفاً من أن تمنحهم الحكومة “قروشاً قليلة” ثم تتركهم فريسة لغيلان التضخم الأسري.
ووصف الشامي السياسة الاقتصادية الحالية بأنها تعيش حالة “زواج كاثوليكي” مع صندوق النقد الدولي، حيث تخضع الحكومة لشروطه التقشفية عند كل اتفاقية قرض، وهي خطة ثابتة تهدف لتقليص ثم إلغاء الدعم تماماً والابتعاد عن مفهوم التنمية والأمن الاجتماعي.
واستدعى الشامي أحداث التاريخ المصري، مستشهداً بـ “انتفاضة الخبز” يومي 18 و19 يناير 1977 إبان حكم الرئيس السادات، عندما حاولت الحكومة آنذاك رفع أسعار الخبز والسلع الأساسية بطلب من صندوق النقد الدولي، وتراجعت عنها السلطة بعد الغضب الشعبي.
واستشهد الشامي بنزاهة القضاء المصري آنذاك، حينما أصدر المستشار حكيم صليب أحكاماً تاريخية ببراءة المتهمين (من اليساريين والشيوعيين)، وثبّت في حيثيات حكمه أن “الدولة هي المسؤولة عن هذه الانتفاضة بقراراتها المفاجئة التي صدمت المواطنين”.
«كيف يعيش مواطن يتقاضى معاشاً قيمته 1700 جنيه؟ وكيف يأكل الفقراء في ظل عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور (8 آلاف جنيه) في العديد من القطاعات؟ نحن أمام تدني أجور ومعاشات وتضخم خرافي في أسعار الغذاء وصل لـ 80% في سنوات متتالية، وهي أرقام لا يتحملها أي شعب في العالم».
– د. زهدي الشامي، خبير اقتصادي
وانتقد الشامي استبدال شعارات ثورة يناير (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) بمصطلح “الحماية الاجتماعية” مثل برنامج (تكافل وكرامة)، الذي يُستخدم كمسكّن مؤقت لمطالب الفقراء بعد تجريدهم من الدعم الأساسي، في حين تتضاعف فوائد وأقساط الديون التي تلتهم عوائد الدولة وتدفعها لمزيد من الاقتراض.
ضرب “العقد الاجتماعي” والانتماء الوطني
من جانبه، قدّم الأستاذ محمد عبد الحليم، الخبير الاقتصادي وأمين حزب التحالف بالدقهلية، رؤية حول فلسفة الدعم وعلاقته بعقيدة المؤسسات النقدية الدولية، جازماً بأن الحديث لا يدور حول “تحويل” الدعم بل حول “إلغائه الفعلي والتكتيكي”.
وانتقد عبد الحليم المنهجية السياسية في التعامل مع الحوارات المجتمعية قائلًا: “صناع القرار يتبعون سياسة: استمعوا للشعب بحرية، وفي النهاية سنفعل ما نريد! يذهب الناس للأحزاب وللحوار الوطني ويعبرون عن آرائهم، ثم تفاجئنا الحكومة بقرارات أحادية لإلغاء الدعم”.
وحذر عبد الحليم من أن الخطورة القصوى لهذه السياسة تكمن في “ضرب العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن”. وأوضح: “العلاقة بين الطرفين تقوم على معادلة تبادلية؛ المواطن يتنازل عن بعض الأمور ويلتزم بواجباته ودفع الضرائب والامتثال للقوانين، مقابل أن توفر له الدولة الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وتعليم. لكن ما يحدث الآن هو أن الدولة تسحب الحقوق وتطالب بالواجبات فقط”.
واختتم الندوة بالإشارة إلى الخطورة السياسية والأمنية لهذا النهج، مؤكداً أن شعور المواطن بالتمييز الطبقي وانحياز القرارات لصالح أصحاب الأموال يضعف فكرة الانتماء للوطن؛ وهو أمر شديد الحساسية والخطورة في توقيت تحتاج فيه مصر إلى أقصى درجات التلاحم الداخلي لمواجهة الأزمات والمخاطر الخارجية المحيطة بها.




