قداسة البابا لاون الرابع عشر أمام السلك الدبلوماسي: السلام لا يولد من منطق القوة بل من شجاعة الحوار والمسؤولية المشتركة

في خطاب وُصف بالقوي والمفصلي، وجّه أمس، قداسة البابا لاون الرابع عشر، نداءً عالميًا من أجل السلام خلال لقائه بالسلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي، مؤكدًا أن العالم يركع تحت وطأة الحروب، وأن العنف لم يعد يستثني حتى الأطفال.
وشدد الحبر الأعظم على أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة، أو الردع، بل عبر جهد صبور ومتواصل يقوم على الحوار، والمسؤولية الأخلاقية المشتركة، موجّهًا نداءً خاصًا إلى الدول المالكة للأسلحة النووية لتحمّل واجباتها الإنسانية.
وفي تأمل شامل رسم ملامح حبريته خلال الأشهر الثمانية الأولى، عاد الأب الأقدس إلى فكر القديس أوغسطينوس حول “مدينة الله”، و”المدينة الأرضية”، معتبرًا أن جذور الحروب تكمن في فقدان البعد المتعالي، وإنكار المرجعية الأخلاقية، والروحية، الأمر الذي يفتح الباب أمام الأنانية والكبرياء، وهما – بحسب قوله – الجذر العميق لكل صراع.
وتوقف بابا الكنيسة الكاثوليكية عند أبرز بؤر التوتر في العالم، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار في أوكرانيا، والانخراط في حوار صادق يفضي إلى سلام عادل ودائم، كما جدّد دعم الكرسي الرسولي لحل الدولتين في الأرض المقدسة، بوصفه أفقًا واقعيًا لتلبية تطلعات الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.
وأعرب قداسة البابا في الوقت نفسه عن قلقه العميق إزاء الأزمات في هايتي، والسودان، وجنوب السودان، ومنطقة البحيرات العظمى، وميانمار، وفنزويلا، مطالبًا باحترام إرادة الشعوب وحقوق الإنسان، وإحياء المسارات الديمقراطية.
وحذّر الأب الأقدس من سباق التسلح المتصاعد، ولا سيما من مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة جديدة، داعيًا إلى تجديد معاهدة “نيو ستارت، وإلى وضع إطار أخلاقي، وقانوني يضمن حماية كرامة الإنسان، كما ندد بتراجع التعددية الدولية، وعودة دبلوماسية القوة بدل دبلوماسية الحوار، محذرًا من أن ذلك يقوّض دولة القانون، ويحوّل الحرب إلى أداة عادية في العلاقات الدولية.
وفي محور لافت، نبّه عظيم الأحبار إلى ما وصفه بأزمة اللغة، معتبرًا أن غموض المصطلحات، وتحويل الكلمات إلى أدوات تضليل، أو إقصاء يقتل الحوار الحقيقي، ويهدد حرية التعبير، والضمير، والدين، مؤكدًا أن الحرية لا تقوم على تمييع المعاني، بل على ارتباط الكلمة بالحقيقة.
ودافع بابا الكنيسة الكاثوليكية بقوة عن الحرية الدينية بوصفها ” أول حقوق الإنسان”، مشيرًا إلى أن نحو 64% من سكان العالم يعانون من انتهاكات جسيمة لهذا الحق، ومتوقفًا عند تصاعد اضطهاد المسيحيين في مناطق عدة، إضافة إلى أشكال تمييز ناعمة في بعض المجتمعات الغربية بدوافع أيديولوجية.
كذلك، تناول الأب الأقدس قضايا الهجرة، داعيًا إلى حماية كرامة اللاجئين، وعدم تحويل مكافحة الاتجار بالبشر إلى ذريعة لانتهاك حقوقهم، وتطرق إلى أوضاع السجناء، والعائلات المتألمة، وإلى التراجع الحاد في معدلات الولادة، مجددًا موقف الكنيسة الرافض للإجهاض، والأمومة البديلة، والقتل الرحيم، مؤكدًا ضرورة دعم الأمهات، وتعزيز الرعاية التلطيفية، وحماية الحياة من بدايتها حتى نهايتها الطبيعية.
وفي ختام خطابه، وبمناسبة الذكرى الثمانمائة لوفاة القديس فرنسيس الآسيزي، قدّم قداسة البابا لاون الرابع عشر، رؤية روحية لطريق السلام، قوامها “قلب متواضع متجه نحو المدينة السماوية”، موجّهًا رسالة رجاء إلى السفراء، وشعوبهم مع بداية عام جديد، مفادها أن السلام يُبنى أولًا في القلب، قبل أن يُصنع على موائد السياسة.






