كلير صدقى تكتب ..في شهر المرأة..صوت المرأة بين بناء المجتمع وصناعة السلام

يُعد شهر مارس محطة مهمة للاحتفاء بالمرأة في مختلف أنحاء العالم، إذ يتزامن مع عدد من المناسبات التي تعكس تقدير المجتمعات لدورها ومكانتها، وفي مقدمتها اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، إضافة إلى عيد الأم الذي يُحتفل به في الحادي والعشرين من الشهر نفسه. لذلك أصبح مارس رمزًا لتكريم المرأة وتسليط الضوء على إنجازاتها ودورها الحيوي في بناء المجتمعات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.
لم يعد دور المرأة يقتصر على إطار الأسرة كما كان يُنظر إليه في الماضي، بل أصبحت اليوم شريكًا أساسيًا في مسيرة التنمية وصناعة القرار. فقد نجحت في إثبات قدرتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية، ووصلت إلى مواقع قيادية ومناصب مؤثرة. وفي الوقت نفسه ما زالت تقوم بدورها الإنساني داخل الأسرة كأم ومربية وصانعة للأجيال، وهو ما يعكس قدرتها الفريدة على تحقيق التوازن بين مسؤولياتها المتعددة.
وعلى مر العصور، قيل الكثير عن المرأة؛ فهي ليست فقط نصف المجتمع، بل هي أساسه الحقيقي، لأنها المسؤولة عن تنشئة الأجيال وغرس القيم الإنسانية في نفوسهم. فهي مصدر الرحمة والحنان والقوة في آنٍ واحد، وتمتلك قدرة كبيرة على مواجهة التحديات والصعوبات بالصبر والإرادة، وهو ما يجعل تأثيرها ممتدًا في المجتمع وفي مستقبل الأجيال القادمة.
وتعكس المؤشرات العامة في مصر حضورًا متزايدًا للمرأة في مختلف المجالات. فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تمثل النساء نحو نصف المجتمع تقريبًا، كما حققن حضورًا ملحوظًا في التعليم العالي وسوق العمل خلال السنوات الأخيرة. وقد ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في قوة العمل مقارنة بالسنوات الماضية، كما تتوزع النساء العاملات في مجالات متنوعة، أبرزها المهن العلمية والتخصصية، والزراعة، والخدمات.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، سواء في الحكومة أو البرلمان، حيث أصبحت تشغل عددًا من الحقائب الوزارية المهمة، إضافة إلى تمثيل ملحوظ في مجلس النواب، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو تمكين المرأة وتعزيز دورها في الحياة العامة.
ورغم هذا التقدم في مجالات التعليم والعمل والقيادة، يظل الدور الإنساني للمرأة أحد أهم أدوارها في المجتمع. فالمرأة بطبيعتها تحمل قيم الرحمة والتسامح، وهو ما يجعل صوتها قادرًا على التأثير في نشر ثقافة السلام والتفاهم بين الشعوب. فالاستقرار الذي تصنعه المرأة داخل بيتها يمكن أن يمتد ليصبح رسالة أوسع في المجتمع والعالم.
واليوم، في ظل ما يشهده العالم من صراعات وتوترات في مناطق مختلفة، تبرز أهمية صوت المرأة كقوة داعمة للسلام. فالأمهات والزوجات هن الأكثر إحساسًا بآثار الحروب على الأسر والأطفال، ولذلك فإن دعوتهن للحكمة والتهدئة يمكن أن تكون عاملًا مؤثرًا في نشر ثقافة السلام ورفض العنف.
وتزداد أهمية هذا الدور عند النظر إلى ما تعيشه النساء في مناطق النزاعات، مثل قطاع غزة والسودان وغيرها من مناطق الصراع، حيث تواجه الكثير من الأمهات ظروفًا إنسانية قاسية. ورغم قسوة الواقع، تواصل النساء هناك أداء دورهن في حماية أسرهن ورعاية أطفالهن، في مشهد يعكس قوة المرأة وصمودها وقدرتها على التمسك بالحياة حتى في أصعب الظروف.
إن معاناة النساء في مناطق الحروب تذكّر العالم بأن السلام ليس مجرد شعار، بل ضرورة إنسانية لحماية الأجيال القادمة من الدمار والخوف وفقدان الأمان. ولذلك فإن صوت المرأة، حين يرتفع دفاعًا عن الحياة والاستقرار، يمكن أن يصبح قوة حقيقية تدفع نحو مستقبل أكثر إنسانية.
وفي شهر المرأة، تتجدد الدعوة إلى الاستماع لهذا الصوت، ليس فقط تقديرًا لدور المرأة في الأسرة والمجتمع، بل أيضًا لإدراك قدرتها على المساهمة في صناعة عالم أكثر سلامًا. فالمرأة التي تزرع الرحمة في بيتها قادرة أيضًا على نشرها في مجتمعها، وإذا اجتمع صوت النساء حول العالم من أجل السلام، يمكن أن يصبح ذلك بداية لطريق يخفف من آلام الحروب ويمنح الأجيال القادمة فرصة لحياة أكثر أمانًا واستقرارًا.




