مشروع قانون جمهوري جديد يسعى لتغيير جذري في نظام الهجرة الأمريكية وإلغاء «اللوتري» وتقليص «لم الشمل»

عاد ملف الهجرة إلى واجهة الجدل السياسي في الولايات المتحدة بعد طرح مشروع قانون جديد في مجلس النواب يقوده النائب الجمهوري آندي أوجلز من ولاية تينيسي، ويستهدف إعادة صياغة جزء كبير من نظام الهجرة القانونية في أمريكا. المقترح لا يركز فقط على تشديد القيود، بل يسعى إلى تغيير الفلسفة التي يقوم عليها النظام الحالي، عبر تقليص الهجرة القائمة على الروابط العائلية، وإعطاء أولوية أكبر لما يصفه أصحاب المشروع بالمصلحة الاقتصادية والثقافية والأمنية للولايات المتحدة.
ما الذي يقترحه مشروع القانون الجديد؟
يقوم المقترح على مبدأ واضح مفاده أن الهجرة إلى الولايات المتحدة يجب أن تخدم مصالح البلاد كما يحددها الكونغرس. وبموجب هذا التوجه، يريد المشروع تقليص ما يطلق عليه بعض المحافظين «الهجرة المتسلسلة» أو Chain Migration، وهو تعبير يُستخدم للإشارة إلى نظام لمّ الشمل العائلي الذي يسمح لبعض المهاجرين أو المواطنين الأمريكيين برعاية أقاربهم للهجرة. الفكرة الأساسية في المشروع هي تقليل الاعتماد على الروابط العائلية كطريق رئيسي للهجرة، مقابل توسيع النظرة التي تربط القبول بما يمكن أن يقدمه المهاجر للبلاد من فائدة مباشرة.
إلغاء برنامج اللوتري ضمن أبرز البنود
من أبرز ما يتضمنه المشروع السعي إلى إلغاء برنامج تأشيرة التنوع، المعروف عربيًا باسم «اللوتري»، وهو برنامج أمريكي يمنح سنويًا ما يصل إلى 55 ألف تأشيرة هجرة لأشخاص من دول يقل منها عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة. هذا البرنامج يمثل بالنسبة لكثيرين بابًا قانونيًا مهمًا للهجرة، خاصة من دول في أفريقيا وآسيا ومناطق أخرى لا تحصل عادة على نصيب كبير من التأشيرات عبر المسارات العائلية أو الوظيفية. وإذا مرّ هذا المقترح مستقبلًا، فإن ذلك قد يعني إنهاء واحد من أشهر مسارات الهجرة القانونية التي يتابعها الملايين حول العالم كل عام.
شروط أشد تحت عنوان «حسن السيرة والسلوك»
المشروع لا يتوقف عند هيكلة الفئات المؤهلة للهجرة، بل يطرح أيضًا توسيع معايير «حسن السيرة والسلوك» أو Good Moral Character، وهو مصطلح قانوني يُستخدم في ملفات الهجرة والتجنس لتقييم سلوك الشخص ومدى التزامه بالقانون. ووفقًا للتصور المطروح، قد تمتد أسباب الرفض إلى ما هو أبعد من الإدانات الجنائية النهائية، لتشمل اتهامات بالارتباط بعصابات، أو وجود سجلات توقيف في قضايا مثل العنف المنزلي أو القيادة تحت تأثير الكحول، حتى إذا لم تنته هذه الوقائع بإدانة قضائية. كما يتحدث المشروع عن إمكان اعتبار إساءة استخدام المساعدات الحكومية، أو مخالفات الهجرة مثل تجاوز مدة التأشيرة، أو الضرائب غير المسددة، عوامل قد تضر بأهلية المتقدم.
مراجعة أعمق للخلفية الشخصية وحسابات التواصل
كما يدعو المقترح إلى توسيع إجراءات التدقيق الأمني والإداري خلال عملية الهجرة، بحيث تشمل فحوصًا خلفية أكثر تشددًا، ومقابلات شخصية، ومراجعة نشاط المتقدمين على وسائل التواصل الاجتماعي. وبمعنى مبسط، فإن المشروع يريد أن يجعل عملية التقديم أكثر تعقيدًا وأشد تفصيلًا، بحيث لا يقتصر التقييم على الأوراق الرسمية فقط، بل يمتد أيضًا إلى السلوك العام والمحتوى المنشور علنًا، وهو ما قد يفتح بابًا واسعًا للنقاش القانوني والسياسي حول حدود هذا النوع من الفحص.
لماذا يُعد هذا المشروع مهمًا في تاريخ الهجرة الأمريكية؟
تكمن أهمية هذا المقترح في أنه يستهدف عمليًا مراجعة أسس راسخة في نظام الهجرة الأمريكي تعود إلى قانون الهجرة والجنسية لعام 1965، المعروف باسم قانون «هارت-سيلر». هذا القانون غيّر وجه الهجرة في أمريكا عندما ألغى نظام الحصص القائم على الأصل القومي، وهو النظام الذي كان يمنح أفضلية كبيرة لمهاجرين من شمال وغرب أوروبا. وبعد ذلك التحول، أصبحت الولايات المتحدة أكثر انفتاحًا على مهاجرين من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، مع إعطاء أهمية كبيرة للم شمل الأسرة واستقبال اللاجئين وبعض فئات العمالة الماهرة. لذلك، فإن أي محاولة للتراجع عن هذه الفلسفة تُعد بالنسبة لكثير من المتابعين واحدة من أوسع محاولات إعادة رسم سياسة الهجرة القانونية منذ عقود.
هل أصبح القانون نافذًا الآن؟
حتى الآن، ما يجري الحديث عنه هو مشروع قانون طُرح من جانب نائب جمهوري داخل مجلس النواب، وليس قانونًا نافذًا بالفعل. وهذا فرق مهم جدًا للقارئ العربي، لأن تقديم مشروع قانون في الكونغرس لا يعني تلقائيًا اعتماده. فلكي يتحول إلى قانون ملزم، يحتاج إلى المرور بمراحل تشريعية طويلة تشمل المناقشة داخل اللجان المختصة، ثم التصويت في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ثم التوقيع الرئاسي. ولهذا، فإن ما يحدث حاليًا يعكس اتجاهًا سياسيًا متشددًا داخل جزء من الحزب الجمهوري، لكنه لا يعني أن قواعد الهجرة الحالية تغيرت بالفعل في هذه اللحظة.
ماذا يعني ذلك للمهاجرين والمهتمين بالهجرة إلى أمريكا؟
أهمية هذا التطور لا تقتصر على فرص تمرير المشروع من عدمه، بل تمتد إلى الرسالة السياسية التي يحملها. فالمقترح يكشف بوضوح أن الجدل داخل أمريكا لم يعد يدور فقط حول الهجرة غير الشرعية، بل أصبح يشمل أيضًا الهجرة القانونية نفسها: من يستحق الدخول؟ وعلى أي أساس؟ وهل تكون الأولوية للأسرة، أم للمهارات، أم للاعتبارات الأمنية والثقافية؟ وهذه الأسئلة تمس مباشرة فئات واسعة من العرب وغيرهم ممن يتابعون برامج الهجرة الأمريكية، سواء عبر اللوتري أو لمّ الشمل أو المسارات الأخرى، لأن أي تحرك تشريعي من هذا النوع قد يؤثر مستقبلًا على شكل النظام الذي يعرفه العالم اليوم.




