الأسطورة وبناء الوعي… ندوة فكرية تكشف علاقة الإنسان بالكون على هامش معرض “الأساطير المصرية وسطح الكون”

شهدت فعاليات افتتاح معرض “الأساطير المصرية وسطح الكون”، للفنان التشكيلي محمد برطش، ندوة ثقافية وفكرية مميزة جمعت بين الفن والفلسفة وعلم المصريات والنقد الفني، في حوار مفتوح حول علاقة الأسطورة بالوعي الإنساني وبنية الكون، وذلك وسط حضور واسع من المهتمين بالفن والثقافة والفكر.

وشارك في الندوة نخبة من الرموز الفكرية والفنية، من بينهم الفنان التشكيلي والكاتب ورئيس أتيليه القاهرة أحمد الجنايني، والروائية ورئيسة مؤسسة القوى الناعمة للإنتاج الفني الدكتورة منى زكي، وأستاذ علم المصريات طارق توفيق، وأستاذة النقد الفني ووكيل وزارة الثقافة دكتور فينوس فؤاد.
وخلال كلمتها، استعرضت د. منى زكي رؤية فكرية حول تطور الأسطورة عبر التاريخ، مؤكدة أن الأسطورة كانت “اللغة الأولى التي استخدمها الإنسان لتفسير العالم قبل ظهور العلم والفلسفة”، حيث اعتمدت في بداياتها على الخيال والرموز، ثم تطورت تدريجيًا إلى الحكاية الشعبية، فالملحمة، وصولًا إلى الرواية الحديثة.
وأوضحت أن هذا الامتداد التاريخي والفكري ينعكس بوضوح في الأعمال الأدبية التي تمزج بين الفكر والسرد والرمزية، مشيرة إلى أن روياتها تسعى إلى إعادة قراءة العلاقة بين الإنسان والكون عبر رموز مركبة ودلالات متعددة المستويات.
كما تناولت مفهوم “دفء الصقيع” في أعمالها، معتبرة أنه يمثل ثنائية رمزية تجمع بين الجمود والرحمة، موضحة أن “الصقيع يرمز إلى صرامة القانون وجموده، بينما يعبر الدفء عن الرحمة الإنسانية وقدرة الإنسان على تجاوز القسوة”.
وتطرقت أيضًا إلى روايتها “ثلاث ملكات من مصر”، موضحة أن شخصية الملكة حتشبسوت في بداية الرواية تتحول إلى “صورة مصغرة للكون”، بينما يصبح “القلب في مملكة القلب كونًا داخليًا له قوانينه الخاصة”، في إسقاط فلسفي يربط بين حركة الكون وحركة المشاعر الإنسانية بما تحمله من جاذبية واتساع وانكسار وتحولات مستمرة.
وأكدت أن الإنسان لا يستطيع بناء عالمه الخارجي بصورة متوازنة قبل أن يحقق السلام الداخلي، معتبرة أن الوعي الذاتي يمثل نقطة البداية الحقيقية لفهم الكون وإعادة تفسيره.
من جانبه، عكس معرض “الأساطير المصرية وسطح الكون” رؤية فلسفية وتجريدية عميقة في أعمال الفنان محمد برطش، حيث جاءت اللوحات خالية من التجسيد المباشر، معتمدة على تكوينات لونية ورمزية تعبر عن الكون وبدايات الخلق والبعث والإحياء، مستلهمة الفكر الديني والأسطوري لدى المصري القديم.
واعتمدت الأعمال الفنية على فكرة “الفوضى الخلاقة” بوصفها حالة تنبثق منها عوالم جديدة، في معالجة بصرية تعكس علاقة الإنسان بالكون وسعيه الدائم للحفاظ على التوازن بين المادة والروح، وبين الفناء والبعث.
كما نجح الفنان في توظيف المذهب التفكيكي برؤية معاصرة، تفتح المجال أمام المتلقي للتأمل وإعادة تفسير الرموز والدلالات، بما يخلق حالة من الحراك الذهني والتفاعل الفكري مع اللوحات، ويحوّل العمل الفني من مجرد صورة بصرية إلى تجربة فلسفية وإنسانية مفتوحة على التأويل.
واختُتمت الندوة بأجواء تفاعلية جمعت الحضور في مساحة من التأمل بين الفن والمعرفة، حيث تحولت اللوحات المعروضة إلى مدخل لحوار أعمق حول الإنسان والأسطورة والكون، في تجربة ثقافية جمعت بين الإبداع البصري والتفكير الفلسفي.


