حين يخرج الأبطال من الورق .. سعاد عسيري تتحدث

ما بين الكتابة الأدبية والرسم والشعر تمسك سعاد عسيري بخيوط الأدب والفن، معبرة عن ذاتها وطموحها وما تتمنى أن تحققه من أحلام ورؤى.
تبدو سعاد عسيري للوهلة الأولى وكأنها تبحر في عوالم الروح الإنسانية والطبيعة والطموح، فتقدم نفسها بصورة تليق بما يختزنه عالمها الداخلي من حساسية وصدق وشغف.
ومن خلال الكلمة واللون تنسج ملامح تجربتها الخاصة واضعة بصمتها في فضاء الإبداع، حيث يتحول الفن لديها إلى لغة للتعبير، ويغدو الأدب نافذة تطل منها على الإنسان والحياة بكل ما فيهما من دهشة وأمل وأسئلة لا تنتهي.
فهي لا تكتفي بكتابة النصوص أو رسم اللوحات بل تنسج من تجاربها ومشاعرها عالما متكاملا تتجاور فيه الكلمة مع اللون، ويتعانق فيه الشعر مع التأمل لتصوغ خطابا إبداعيا نابضا بالصدق والإنسانية.
في أعمالها حضور واضح للمرأة الحالمة والقوية وللإنسان الباحث عن الجمال رغم تقلبات الحياة، وللطبيعة بوصفها ملاذاً ومصدراً دائماً للإلهام.
ومن خلال رحلتها الإبداعية استطاعت سعاد عسيري أن ترسم لنفسها ملامح خاصة، وأن تجعل من الفن والأدب وسيلتين للتعبير عن القيم التي تؤمن بها، وعن أحلام لا تتوقف عند حدود الممكن بل تمتد نحو آفاق أرحب من العطاء والتأثير.
وفي هذا الحوار نقترب أكثر من عالمها، لنكتشف كيف تصنع الكلمة لوحتها الخاصة وكيف يتحول الإبداع لديها إلى أسلوب حياة ورسالة تحملها بإيمان وشغف.
ذكرتِ أن الشخصية الروائية “كائن حي” متى تشعرين أن الشخصية أصبحت مستقلة عن إرادة الكاتب؟
– بعد أن أضع الشخصية على الورق ، في أحيان كثيرة بعد قليل من قليل من الكتابة أشعر أنها تتمرد علي ، وكثيراَ ماتسلك مسارات جديدة مستقلة عن الطريق الذي خططته من قبل ، وذلك بناء على صيرورة الأحداث وتفاعها مع الشخصيات الروائية في النص .
إن صناعة العمق في الشخصية الدرامية تتطلب من الكاتب أن يتخلى عن السطحية ويسير نحو “الجرح الروحي” للشخصية، ليدرك كيف يشكل ماضيها معالم حاضرها. العمق الدرامي يُبنى أيضاً على قاعدة “اعرض ولا تقل”. الكاتب البارع لا يخبرنا أن بطله يعاني، بل يجعلنا نرى معاناته في قراراته الصعبة، في صمته الطويل، وفي الفجوة بين ما يقوله في الحوار العلني أمام الناس، وما يعترف به لنفسه في لحظات المناجاة الفردية والخوف من المجهول.
الشخصية الحقيقية هي كائن حي، يولد من رحم المعاناة، ويتنفس بالتناقضات، ويتحرك بوعيه الخاص. الأبطال في الروايات يكتسبون خلودهم من أفعالهم الخارقة, ومن تلك الفجوة السحيقة بين ما يظهرونه للعالم، وما يدفنونه في أعماق صدورهم.
ما أكثر بعد من أبعاد الشخصية الثلاثة (الجسدي، الاجتماعي، النفسي) يستغرق منك جهدًا أثناء الكتابة؟
كل شخصية لها تلك الأبعاد الثلاثة ، ولكن البعد النفسي يستهلك مني طاقة كبيرة ،لأن هذا يحكم سلوك الشخصية وتفاعلها مع الأحداث ، مما يستلزم مني عناية قصوي ، وأيضا مراجعة علم النفس وبعض المراجع ، وهذا البعد يأتي منسجم مع البناء الإجتماعي والطبقي للشخصية ، فكل فرد هو ابن بيئته واصوله الأجتماعية .
هل تعتقدين أن القارئ يبحث اليوم عن بطل مثالي، أم عن شخصية تشبهه بأخطائها وضعفها؟
تطور الأدب، تغيرت نظرة الرواية الحديثة لمفهوم البطل بشكل جذري. ففي الماضي، كان البطل مثالياً، شجاعاً، مبرأً من العيوب ولا يخطئ. أما اليوم، فالقارئ المعاصر لم يعد يصدق شخصية “السوبرمان”. لذلك انحازت الرواية الحديثة لـ “البطل الرمادي” أو ما يُعرف بـ “البطل الضد” (Anti-Hero)؛ وهو شخص يمتلك عيوباً ونقاط ضعف واضحة، قد يكون أنانياً، خائفاً، أو متردداً، لكنه يخوض معركته وحياته رغم ذلك هذه العيوب الإنسانية هي النوافذ الحقيقية التي يرى القارئ من خلالها إنسانية البطل، وهي التي تجعلنا نطمئن له ونتعاطف معه لأننا نرى فيه أنفسنا ومخاوفنا الشخصية
القارئ فعلا يبحث عن شخص يشبه أو قريب منه ، يتعاطف معه ويشعر به ، بكل مافيه من ضعف وقوة ، صمود وإنكسار ، شخصية إنسانية مؤثرة ويصدقها القارء ، وبالتالي تترك تأثيرها الهائل عليه .
كما وضحت أن الشخصية بعمق ليست عملية رصد لصفات وشروط، وليست مجرد وصف لغوي، بل هي عملية نفخ الروح في فكرة مجردة، بل هي نفخة من روح الكاتب في طين حكايته، ومجازفة بمنح هذه الشخصيات “حرية الإرادة” لتتمرد على الكاتب نفسه، الكاتب الحقيقي لا يصنع بطلاً ليتحكم فيه كقطع الشطرنج، بل يزرع فيه بذرة الحياة ثم يتركه يقود الرواية نحو مصيره الخاص،.
ويتفاجأ بقراراته في الرواية حين يسرد ويصف المشهدان كاملاً وحين تملك الشخصية الروائية حريتها وعقدها وتناقضاتها، فإنها تتجاوز حدود الصفحات، لتعيش معنا، وتتحول من مجرد بطل في قصة، إلى مرآة حقيقية نرى فيها أنفسنا ومخاوفنا وإنسانيتنا .
كيف ترغبين أن يتذكر القارئ شخصيات سعاد عسيري بعد الانتهاء من قراءة أعمالك؟
أقصى طموحي أن تلتصق الشخصية الدرامية التي ابتدعتها سعاد عسيري بخيال القارئ ولا تفارقه ، تخرج من ثنايا الورق وتحى معنا في الحياة ، هناك شخصيات درامية أدبية تشاركنا الحياة ، ونتذكرها كثيرا ، مثل شخصية ( سي السيد ) في ثلاثية نجيب محفوظ ، أو شخصية ( دون كيشوت ) التي تحارب طواحين الهواء لسيرفانتس ، وأيضا شخصية (رميو وجولييت ) لوليم شكسبير .
بعد كل هذه الشخصيات التي كتبتِها ماذا تعلمت سعاد عسيري عن الإنسان وعن نفسها؟
تعلمت سعاد عسيري من كل الشخصيات التي كتبتها أن الحياة تستحق أن نعيشها ، على قول الشاعر محمود درويش ( على هذه الأرض مايستحق الحياة ) والأدب الراقي هو الذي يتضمن قيمة إنسانية يتماهى معها القارئ ، وتحفزه للتأمل والتفكير وإعادة النظر في الواقع المعاش ، ولعل رواية ( العجوز والبحر ) لارنست هيمجواى نموذج لتحدي الفشل والصراع من أجل النجاح .




