بين تكافؤ الفرص وإهدار الخبرة.. لماذا نحتاج “رؤية منصفة” لأزمة معلمي الحصة؟

لا يمكن اختزال قضية “معلمي الحصة” في مجرد مطالب فئوية بالتعيين أو التثبيت، بل هي في جوهرها تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بفلسفة إدارة الموارد البشرية في جهازنا الإداري، وتحديدًا في قطاع التعليم الذي يمثل حجر الأساس لبناء المستقبل.
عندما واجهت وزارة التربية والتعليم عجزًا حقيقيًا في صفوف المعلمين بمدارسنا، كان “معلمو الحصة” هم طوق النجاة؛ حيث استعانت الدولة بآلاف منهم، وأسندت إليهم مسؤولية إدارة الفصول وبناء عقول أجيال كاملة. هذا الاستدعاء في حد ذاته يمثل اعترافًا ضمنيًا واختبارًا عمليًا لقدراتهم على حمل رسالة التعليم المقدسة.
لكن المفارقة التي تفرض نفسها اليوم: *إذا كانت المنظومة التعليمية قد اطمأنت لهؤلاء المعلمين لسنوات، فلماذا تُستبعد خبراتهم التراكمية عند وضع معايير التعيين؟*
العدالة لا تعني “المساواة الصفرية”
> “إن الوقوف على خط بداية واحد بين من مارس التدريس لسنوات وتحمل مسؤولية الفصل، وبين من لم يخض هذه التجربة مطلقًا، ليس عدالة.. بل هو إجحاف للخبرة.”
نحن هنا لا ندعو إلى تعيين استثنائي أو الالتفاف على مبدأ تكافؤ الفرص الذي نؤمن بأنه الضمانة الوحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية. لكن العدالة الحقيقية تقتضي ألا نتجاهل “الخبرة الميدانية”. فالخبرة ليست مجرد سطر إضافي في السيرة الذاتية، بل هي استثمار مالي وزمني أنفقته الدولة بالفعل في تدريب هؤلاء المعلمين داخل فصولها، وإهدار هذا الاستثمار يمثل خسارة فادحة لمنظومة التعليم بأكملها قبل أن يكون خسارة للفرد.
من جانب آخر، تحتاج طبيعة الاختبارات والمعايير الحالية إلى وقفة جادة للمراجعة. من البديهي والطبيعي أن يخضع المعلم لكشف طبي يثبت قدرته الصحية والجسدية على أداء مهامه، ولكن يجب أن ترتبط أدوات التقييم بجوهر المهنة. المعلم يُقاس بقدرته على نقل المعرفة، وإدارة الفصل، والتواصل الفعّال مع الطلاب، والتعامل مع المواقف التربوية بحكمة، وليس باجتياز اختبارات بدنية صارمة لا تعكس كفاءته المهنية بشكل مباشر. إن تقييم المعلم يجب أن ينطلق دائمًا من فلسفة “التربية والتعليم”، لا من فلسفة الانتقاء لوظائف تختلف طبيعتها ومتطلباتها كليًا.
خارطة طريق لإنهاء الأزمة: اقتراح برغبة
انطلاقًا من المسؤولية الوطنية، ومن أجل صياغة حلول عملية توازن بين حقوق المعلم ومصلحة الدولة، نضع أمام متخذي القرار اقتراحًا برغبة يرتكز على خمسة محاور رئيسية:
أولًا: احتساب الخبرة الفعلية: إعادة صياغة شروط مسابقات التعيين لتقوم على منح “وزن نسبي” وسنوات أقدمية إضافية لمن عمل بالحصة، لتدخل كعنصر مفاضلة حاسم ينصف أصحاب التجربة الميدانية.
ثانيًا: ملاءمة الاختبارات: مراجعة معايير التقييم والتركيز على الكفاءة التربوية والنفسية والمهارية، مع الاكتفاء باللياقة الطبية والصحية اللازمة لأداء الوظيفة دون مغالاة.
ثالثًا: برامج التأهيل المباشر: استحداث مسار تدريبي وتقييمي مكثف لشاغلي وظائف الحصة، يُمثل بوابة عادلة للدمج والاستقرار الوظيفي لمن يثبت كفاءته، كبديل لإهدار سنوات عملهم.
رابعًا: الإطار القانوني والحد الأدنى للمعيشة: وضع تشريع أو إطار قانوني واضح ينظم حقوق معلمي الحصة، يضمن حصولهم على حد أدنى عادل للأجور يكفل لهم حياة كريمة، ويوفر لهم مظلة حماية اجتماعية وتأمينًا صحيًا يحميهم وأسرهم.
خامسًا: قاعدة بيانات رقمية: إلزام وزارة التربية والتعليم بإعداد قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة لجميع العاملين بالحصة، وربطها بخطط سد العجز بالمدارس، لضمان أن تكون الأولوية دائمًا لمن أثبت كفاءته وصبره على أرض الواقع.
خاتمة
إن الدولة المصرية الحديثة التي تسير بخطى واثقة نحو المستقبل، لا تُقاس فقط بقدرتها على صياغة اللوائح والمعايير الجامدة، بل بمرونتها وقدرتها على تقدير المورد البشري واستثماره.
المعلم الذي وقف صامدًا لسنوات أمام السبورة، وسد العجز في أصعب الأوقات، لا يطلب امتيازًا استثنائيًا يخرق القانون، بل يطلب فقط أن تعترف الدولة بجهده وعرقه، وأن تجعل الخبرة قيمة حقيقية محترمة داخل منظومة التوظيف، لا مرحلة مؤقتة يتم التخلي عنها بمجرد الإعلان عن مسابقة جديدة.




