هل بدأ زوال إسرائيل ؟

في تلك الفترة التي نعيشها اليوم ، حروب مستمرة في الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر 2023 بلا توقف ، و تغيرات إقليمية واسعة سنتحدث عنها بالتفصيل في السطور القادمة ، يبرز سؤالاً مهماً ، هل بدأ زوال اسرائيل ؟ .
في هذا المقال لن استعمل اي نبوءات دينية أو اقول أنه لا توجد دولة يهودية استمرت لأكثر من ثمانين عاماً أو من هذا الحديث . في هذا المقال سأحلل الحروب المستمرة في الشرق الأوسط و التغيرات الإقليمية و الأحداث العالمية و أثرها على اسرائيل . فاسرائيل هي كيان في الشرق الأوسط و بكل تأكيد تتأثر بكل شئ يحدث في هذا العالم كما أي دولة أو كيان آخر .
سأقسم حديثي لعدة محاور ، المحور الأول هو المحور الداخلي ، أو ما يحدث داخل حدود ارض فلسطين التاريخية ، الذي تعتبره اسرائيل شأن داخلي بالنسبة لها . المحور الثاني هو المحور الإقليمي ، محور الشرق الأوسط ، ما يحدث خارج حدود فلسطين التاريخية لكنه داخل إطار الشرق الأوسط . و المحور الثالث هو المحور العالمي و التحالفات الدولية ، و ما هو أبعد من منطقتنا العربية .
بدأت في السابع من أكتوبر 2023 معركة طوفان الأقصى ، التي بدأتها حركة حماس و انضمت لها فصائل مقاومة عدة في غزة . معركة لم تتوقعها اسرائيل و لم تشهدها المنطقة منذ عقود ، منذ آخر حرب بين العرب و اسرائيل في السادس من اكتوبر 1973 . و سأكون صادق عندما اقول انني ارى أن معركة طوفان الأقصى اقوى من حرب اكتوبر ، وهذا لعدة أسباب .
حماس محاصرة منذ أكثر من 20 عاما في غزة ، بلا إمدادات و جميع أسلحتها تصنيع محلي ، و مقاتليها الذين اقتحموا السياج الحدودي الفاصل بين القطاع و الأراضي المحتلة لا يتخطون الخمسة آلاف . و هذه نقطة في صالح حماس لأن مصر عندما عبرت خط بارليف كان قوام جنودها عشرات الآلاف . و أنا هنا لا اقلل من حرب أكتوبر المجيدة و العبور العظيم الذي قام به جنودنا البواسل في السادس من اكتوبر .
شهدنا أن اسرائيل و لمدة عامين لم تستطيع تحرير أسراها الذين هم قبضة المقاومة الفلسطينية ، و حررتهم بصفقة تبادل في النهاية . لكن قبل هذا يجب الحديث عن تداعيات معركة طوفان الأقصى على اسرائيل . الجيش الإسرائيلي تضرر جدا ، وهو العمود الاول في دولة الاحتلال ، و جميع ارقام الخسائر التي يصدرها الجيش الإسرائيلي هي كاذبة .
نرى أن الجيش الاسرائيلي فيه عجز في الجنود ، الجيش الإسرائيلي يريد أكثر من 20 الف جندي حسب مصادر لقناة ال12 الإسرائيلية ، وهذه مشكلة بالنسبة له . و نترك الجيش و نذهب للاقتصاد . الاقتصاد تضرر بشدة ، اولا لأن المستثمرين سحبوا استثماراتهم من إسرائيل ، لا احد يستثمر في دولة غير مستقرة أمنياً . و هذا الشئ الذي شل اقتصاد اسرائيل ، بالإضافة إلى الحصار البحري المفروض عليها من قبل أنصار الله في اليمن و هذا ما سنتكلم فيه بالتفصيل بعد قليل .
و شئ مهم أيضا ، أن في الوقت الحالي عدد الفلسطينيين داخل أراضي فلسطين التاريخية أكثر من المستوطنين . فبعد طوفان الأقصى ترك أكثر من نصف مليون مستوطن اسرائيل و رحلوا بلا عودة ، و ذلك حسب بيانات سلطة السكان و الهجرة الإسرائيلية . هذه الهجرة العكسية التي لا تريدها اسرائيل و تحاول منعها لعقود بدأت بالفعل ، و لن تستطيع اسرائيل منعها الا اذا توقفت جميع الحروب التي دخلتها ، و حتى بعد وقف الحروب لن تستطيع ايضا منع تلك الهجرة ، فالمستوطنين يرون أنهم في بلد غير آمن ، لذلك لا يجب العيش فيها .
و بعد أكثر من عامين و نصف من الحرب في غزة ، و الحرب مستمرة فلا توجد هدنة أو وقف إطلاق للنار ، لم تستطع إسرائيل حتى الآن السيطرة على غزة بالكامل أو القضاء على المقاومة ، و ستنفجر حرب جديدة في غزة في الشهور القليلة القادمة .
و أنا هنا لم اذكر الوضع في الضفة الغربية ، فهناك كل يوم تحدث عملية فدائية فلسطينية ضد قوات الاحتلال ، و هذا ما يحدث أيضا في الداخل الإسرائيلي من قبل عرب ال48 . عرب الداخل الذين هم نقطة فاعلة في معادلة زوال اسرائيل .
و انتقل الى المحور الثاني ، المحور الإقليمي في الشرق الأوسط . بعد معركة طوفان الأقصى بدأت حروب عديدة في المنطقة لا احد يستطيع إيقافها . في لبنان حزب الله دخل مع إسرائيل في حرب استنزاف من الواقع أن إسرائيل ستخرج منها خاسرة و ستنسحب من جنوب لبنان ، و هذا تحت ضغط حزب الله و تحت ضرباته التي بدأت توجع إسرائيل . و حتى مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ، ستستمر الاشتباكات على الجبهة الشمالية لأسرائيل ، و لن ينعم سكان الشمال بأي نوع من أنواع الأمن .
و في اليمن ، دخل في الثامن عشر من أكتوبر 2023 أنصار الله في اليمن حرب ضد إسرائيل . من ضرب إسرائيل بالصواريخ الباليستية إلى إغلاق مضيق باب المندب و شل ميناء ايلات في جنوب إسرائيل ، و هذا أثر على الاقتصاد الإسرائيلي . ميناء ايلات هو ميناء مهم و من اهم شرايين الحياة للاقتصاد الإسرائيلي .
و اليمن هي جبهة حرب مفتوحة لا يمكن إغلاقها ، فلم ينفع مع أنصار الله لا قصف امريكي لأيام أو قصف إسرائيلي ، ولا حتى قصف سعودي لسنوات . و جبهة اليمن ستكون عامل مهم إذا تحدثنا عن زوال اسرائيل ، فكما قلت هي جبهة حرب مفتوحة تعمل على استنزاف إسرائيل مع كل تصعيد يحدث في غزة أو في إيران أو في لبنان . و ايضا المسافة بين اسرائيل و اليمن تشكل عائقاً أمام الطيران الإسرائيلي عندما يقصف اليمن ، فالمسافة بينهم أكثر من 2000 كيلو متر .
و الجبهة الإقليمية الكبرى ، و الاقوى هي جبهة إيران . إسرائيل أقدمت على قصف إيران في يونيو عام 2025 لتبدأ معها حرب الاثنى عشر يوما . حرب مهمة في الشرق الأوسط و أدخلت الإقليم في مرحلة جديدة ، وهي مرحلة الحروب بين إيران و اسرائيل لن تتوقف و ستستمر لجولات من الممكن أن تمتد لأشهر أو لسنوات .
القصف الإيراني على إسرائيل يضر بصورتها أمام العالم ، و يجعل المستوطنين يفرون هاربين من دولة الاحتلال إلى مولدهم الاصلي في أوروبا ، و يضر بقدراتها العسكرية و الاقتصادية و يضر إسرائيل في جميع المحاور .
و حتى لو هناك الان وقف نار بين إيران و اسرائيل ، أقول أنه في رأيي هذه الهدنة لن تستمر طويلاً ، و ستحدث جولات أخرى بين البلدين . بالأخص مع تمسك إيران بمعادلة إذا قُصفت لبنان سيتم قصف شمال اسرائيل ، و تلك معادلة لا تريدها اسرائيل لكنها لن تستطيع تدميرها ، فهي أصبحت أمر واقع لا يمكن تغييره .
اسرائيل إقليميا تواجه محور المقاومة الذي يمتد من ايران الى اليمن و العراق و لبنان حتى فلسطين . محور يحيط بها من جميع المحاور ، و أنا لن أتحدث عن الدول المجاورة لأسرائيل مثل مصر و الأردن و سوريا لأنهم الان في حالة سلام مع اسرائيل ، حتى ولو لم يكن هناك تعامل مستمر بين تلك البلدان و إسرائيل ، لكنهم في حالة سلام معها .
أما عالمياً ، فالحليف الاقوى و الأوحد لأسرائيل ، وهي الولايات المتحدة الأمريكية ، في أضعف حالاتها منذ عقود ، وهذا في ظل حكومة دونالد ترامب . تواجه امريكا مشاكل داخلية عديدة و مشاكل خارجية أيضا اسرائيل سبباً في العديد منها .
و هذا يشكل عاملاً مهماً مع معادلتنا التي نتحدث عنها . الدعم الأمريكي في السنوات القادمة سيقل بشكل كبير ، و في رأيي لن يقل فوراً أو في لحظة واحدة ، بل بالتدريج . الحكومات القادمة لن تمنح اسرائيل الدعم التي كانت تحصل عليه سابقاً ، و هذا سيجعل إسرائيل أضعف ، و مع جعلها أضعف ستتمكن الأطراف في الشرق الأوسط من القضاء عليها ، و سيكون زوالها اسهل .
و ليست الولايات المتحدة فقط هي الحليفة لأسرائيل ، توجد العديد من الدول الأوروبية التي تربطها علاقات الدولة اليهودية . لكن كل تلك العلاقات تأثرت بعد معركة طوفان الأقصى ، التي هي معركة في حرب تحرير فلسطين . علاقات الدول الأوروبية بأسرائيل تأثرت لأسباب عدة ، أول هذه الاسباب ضغط الرأي العام في تلك الدول ، الرأي العام الذي لم يستطع رؤية ابادة جماعية في غزة و يصمت .
و ايضا مواقف السياسيين الأوروبيين في دولهم ، هناك سياسيين طلبوا بوقف العلاقات بين بلادهم و إسرائيل و طرد السفير ، و هذا ما فعلته دولة مثل اسبانيا مثلا . و في رأيي تلك العلاقات التي تدهورت بين بعض البلاد الأوروبية أو كلها و اسرائيل لن تعود كما كانت عليه قبل طوفان الأقصى ، ففي رأيي مصالح تلك الدول لم تعد تتوافق مع مصالح إسرائيل ، و السياسة في النهاية مصالح .
مصالح تلك الدول لم تعد تتوافق مع اسرائيل أيضا لعدة أسباب ، أولا لأن اسرائيل الان تريد التوسع فقط ، تريد التوسع في غزة و احتلال جنوب لبنان و جنوب سوريا و القضاء على إيران ، و هذا لا تريده الدول الأوروبية . الدول الأوروبية تريد سلام ولا تريد دعم حرب تدخلها اسرائيل ، ولا ننسى أن الدول الأوروبية منشغلة في الصراع مع روسيا في اوكرانيا .
و التغيير الذي حدث مع العلاقات الأوروبية الإسرائيلية لم يحدث مع بدأ معركة طوفان الأقصى بشكل مباشر ، بل حدث عندما أدركت تلك الدول أن اسرائيل أصبحت آلة بطش لا تتوقف و احتلال لا يكترث لقوانين دولية أو لأوامر تلك الدول بحد ذاتها .
ولا ننسى وجود دول قوية مثل الصين و روسيا ، التي هي داعمة لأيران في وجهة التحالف الغربي بقيادة امريكا و التي اسرائيل حليفة فيه . هذه الدول تساعد و تمول إيران التي في حرب مستمرة مع اسرائيل و أمريكا ، و تدعم الفصائل في الشرق الأوسط مثل أنصار الله و حزب الله و حماس .
حديثي هذا هو تحليل للأحداث الداخلية في حدود ارض فلسطين التاريخية و إقليم الشرق الأوسط و العالم كله ، كل تلك العوامل التي تحدثت عنها ستنتهي بزوال اسرائيل . هل زوال اسرائيل سيحدث في القريب العاجل ؟ ، اي في السنوات القليلة القادمة ، من الممكن . وانا اقول أن إسرائيل لن تستمر لعقود ، بل لسنوات ، سنواتها أصبحت معدودة ، و ستنتهي ، و حينها ستتحرر فلسطين بشكل كامل من النهر الى البحر . و عندما تتحرر فلسطين سنبدأ بتحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الامريكي الغربي ، بعد ذلك تحرير العالم كله من احتلال سلطة القطب الواحد .



