هَلْ تُعِيدُ إِيرَانُ صِيَاغَةَ التَّارِيخِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الصِّينِيَّةِ؟.
لَقَدْ صَدَعْنَا بِهَا فِي الْمَاضِي، وَنُعِيدُهَا الْيَوْمَ بِقَنَاعَةٍ جِيُوسِيَاسِيَّةٍ رَاسِخَةٍ لَا تَتَزَعْزَعُ: تَذَكَّرُوا هَذَا التَّارِيخَ جَيِّدًا؛ فَإِنَّ «الْجُمْهُورِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ الْإِيرَانِيَّةَ» سَتَخْرُجُ مِنْ أَتُونِ الْمُوَاجَهَةِ الرَّاهِنَةِ، تَمَامًا كَمَا انْبَثَقَتْ «جُمْهُورِيَّةُ الصِّينِ الشَّعْبِيَّةِ» مِنْ غَيَاهِبِ الْحَرْبِ الْكُورِيَّةِ وَمِصْيَدَتِهَا الدَّامِيَةِ (1950 – 1953م).
قَبْلَ تِلْكَ الْمَلْحَمَةِ الْكُورِيَّةِ، كَانَتِ الصِّينُ تَقْبَعُ فِي عُزْلَةٍ دُوَلِيَّةٍ خَانِقَةٍ، وَتُعَامَلُ كَتَابِعٍ صَغِيرٍ يَدُورُ فِي فَلَكِ الِاتِّحَادِ السُّوفْيَاتِيِّ ضِمْنَ الْمَنْظُومَةِ الشُّيُوعِيَّةِ.
لَمْ تَكُنْ بَكِينُ حِينَئِذٍ تَمْتَلِكُ جَيْشًا عَصْرِيًّا مُهَابًا، وَلَا سِلَاحَ جَوٍّ رَادِعًا، وَلَا تِكْنُولُوجْيَا عَسْكَرِيَّةً فَارِقَةً، بَلْ كَانَتْ تَرْزَحُ تَحْتَ وَطْأَةِ فَقْرٍ مُدْقِعٍ، وَنَاتِجٍ قَوْمِيٍّ هَزِيلٍ لَا يَتَعَدَّى (3%) مِنْ إِجْمَالِيِّ النَّاتِجِ المَحَلِّيِّ الأَمْرِيكِيِّ. حَتَّى مَقْعَدُهَا الشَّرْعِيُّ فِي مُنَظَّمَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ وَمَجْلِسِ الأَمْنِ كَانَ مُغْتَصَبًا عَنْوَةً، وَمَمْنُوحًا لِـ «تَايْوَانَ» الَّتِي حَكَمَهَا خُصُومُ الزَّعِيمِ الصِّينِيِّ «مَاوْ تْسِي تُونْغ».
وَلَكِنْ، حِينَ دَقَّتْ طُبُولُ المَعْرَكَةِ، وَوَصَلَتِ القُوَّاتُ الأَمْرِيكِيَّةُ إِلَى الحُدُودِ الصِّينِيَّةِ الحَسَّاسَةِ، اتَّخَذَتْ بَكِينُ قَرَارًا مَصِيرِيًّا بِالتَّدَخُّلِ العَسْكَرِيِّ المُبَاشِرِ، دَافِعَةً بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَالعَزِيمَةِ الجَيْشَ الأَمْرِيكِيَّ إِلَى خَلْفِ «خَطِّ العَرْضِ 38» الفَاصِلِ بَيْنَ الكُورِيَّتَيْنِ.
لَقَدْ لَخَّصَ «مَاوْ» فَلْسَفَةَ هَذَا الهُجُومِ الجَرِيءِ بِعِبَارَتِهِ التَّارِيخِيَّةِ الفَارِقَةِ:
«إِنَّ التَّدَخُّلَ العَسْكَرِيَّ هُوَ تَوْجِيهُ لَكْمَةٍ وَاحِدَةٍ خَاطِفَةٍ إِلَى عَدُوِّكَ؛ لِمَنْعِ مِئَةِ لَكْمَةٍ غَادِرَةٍ قَدْ تُدَمِّرُ وُجُودَكَ مُسْتَقْبَلًا».
وَبِالْفِعْلِ، مُنِيَتْ وَاشِنْطُنُ بِانْكِسَارٍ مَيْدَانِيٍّ كَبِيرٍ، وَعَجَزَتْ عَنِ السَّيْطَرَةِ عَلَى «بْيُونْغْيَانْغ»، لِتَفْرِضَ الصِّينُ مُعَادَلَةَ «لَا حَرْبَ وَلَا سِلْمَ» الْمُمْتَدَّةَ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا.
لَقَدْ أَعَادَتْ تِلْكَ الْمَعْرَكَةُ صِيَاغَةَ النَّظْرَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلصِّينِ كُلِّيًّا، فَانْتَقَلَتْ فِي لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ دَوْرِ التَّابِعِ الْمَنْسِيِّ فِي الظِّلِّ، إِلَى مَرْتَبَةِ الْقُوَّةِ الْعُظْمَى الثَّالِثَةِ عَلَى مَسْرَحِ السِّيَاسَةِ الْعَالَمِيَّةِ.

وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ! إِنَّ أَبْرَزَ وَأَخْطَرَ ظَاهِرَةٍ نَشْهَدُهَا اليَوْمَ فِي الصِّرَاعِ الدَّائِرِ ضِدَّ المِحْوَرِ الإِيرَانِيِّ، هِيَ الهَوَسُ الأَمْرِيكِيُّ الصِّهْيَوْنِيُّ بِخَرْقِ القَوَانِينِ الدَّوَلِيَّةِ، وَالتَّنَصُّلِ النَّمَطِيِّ مِنَ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ.
هَذَا السُّلُوكُ الإِمْبِرْيَالِيُّ الغَادِرُ لَيْسَ نَبْتًا شَيْطَانِيًّا نَاشِئًا، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ لِذَاتِ المَشْهَدِ الكُورِيِّ؛ فَكُلَّمَا لَاحَتْ فِي الأُفُقِ بَادِرَةٌ لِوَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ، شَنَّتِ الإِدَارَةُ الأَمْرِيكِيَّةُ هُجُومًا عَسْكَرِيًّا غَادِرًا لِتَعْدِيلِ مَوَازِينِ القُوَى عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى وَصَلَ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ فِي أُغُسْطُسَ مِنْ عَامِ 1952م إِلَى الِاعْتِدَاءِ المُبَاشِرِ عَلَى مَقَرِّ الوَفْدِ الصِّينِيِّ المُفَاوِضِ نَفْسِهِ بَغْيَةَ تَصْفِيَتِهِ جَسَدِيًّا.
وَالْيَوْمَ، نَرَى الْمَشْهَدَ يَتَكَرَّرُ؛ فَالْإِدَارَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ نَفْسُهَا هِيَ الَّتِي نَقَضَتْ «الِاتِّفَاقَ النَّوَوِيَّ الْإِيرَانِيَّ» لِعَامِ 2015م، وَمِنْ يَوْمِهَا وَهِيَ تُمَارِسُ سِيَاسَةَ الِاعْتِدَاءِ الْمَفْضُوحِ وَالْحِصَارِ الِاقْتِصَادِيِّ الْخَانِقِ. إِنَّ وَاشِنْطُنَ، بِنَقْضِهَا لِلْمَوَاثِيقِ، لَا تَتَخَيَّلُ -بَلْ لَا تَحْتَمِلُ- أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ ضَعِيفَةً أَوْ كَسِيرَةً وَلَوْ بِشَكْلٍ جُزْئِيٍّ؛ لِأَنَّ هَذَا الِانْكِسَارَ سَيُهَدِّدُ عَرْشَ هَيْمَنَتِهَا الْإِمْبِرْيَالِيَّةِ عَلَى الْمَعْمُورَةِ.
فَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْكَوْكَبِ كَمِلْكِيَّةٍ خَاصَّةٍ وَحَصْرِيَّةٍ، وَلَا تَعْتَرِفُ بِسِيَادَةِ الشُّعُوبِ، حَيْثُ تُنْفِقُ تِرِيلْيُونَ دُولَارٍ سَنَوِيًّا عَلَى تَرْسَانَتِهَا الْعَسْكَرِيَّةِ لِتَكْرِيسِ هَذَا الطُّغْيَانِ الْعَالَمِيِّ.
لَكِنَّ هَذِهِ الغَطْرَسَةَ الْإِمْبِرْيَالِيَّةَ تَصْطَدِمُ الْيَوْمَ بِصَخْرَةِ الْحَقِيقَةِ الصَّلْبَةِ؛ فَإِيرَانُ لَيْسَتْ سَاحَةً مُسْتَبَاحَةً أَوْ جُغْرَافْيَا عَابِرَةً، بَلْ هِيَ دَوْلَةٌ رَاسِخَةٌ بِتَارِيخِهَا الْعَرِيقِ، وَثَقَافَتِهَا الْمُتَجَذِّرَةِ، وَجُغْرَافْيَتِهَا الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ الْمَنِيعَةِ.
إِنَّهَا حَتْمِيَّةُ التَّارِيخِ الَّتِي تُعَلِّمُنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مُقَارَنَةُ الْأُمَمِ الْحَضَارِيَّةِ الْأَصِيلَةِ بِكِيَانَاتٍ اسْتِيطَانِيَّةٍ عَابِرَةٍ، مَهْمَا طَالَ أَمَدُهَا، وَمَهْمَا تَمَدَّدَ طُغْيَانُهَا وَجَبَرُوتُهَا. وَكَمَا غَيَّرَتْ بَكِينُ مَجْرَى التَّارِيخِ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي، فَإِنَّ طِهْرَانَ الْيَوْمَ تَصُوغُ مُعَادَلَتَهَا الْخَاصَّةَ لِتَثْبِيتِ مَوْقِعِهَا كَقُوَّةٍ رَاسِخَةٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا.




