هل انتهت الشيوعية؟

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ترسخ اعتقاد لدى كثيرين بأن الشيوعية انتهت إلى الأبد. لكن هل انتهت فعلًا، أم أن الذي سقط كان دولة لا فكرة؟

 

قبل عام 1991، كانت هناك دولة تسيطر على الفكر الشيوعي في العالم كله، وهي الاتحاد السوفيتي. الدولة التي نشأت عام 1922 على يد فلاديمير لينين، المفكر والثوري الروسي الذي تأثر بأفكار كارل ماركس. ومع تأسيس الاتحاد السوفيتي أصبحت تلك الدولة أكبر دولة شيوعية في العالم.

 

لن أتطرق إلى الحديث عن تاريخ الاتحاد السوفيتي لأن هذا ليس موضوعنا ، لكن ، ومع حل غورباتشوف للاتحاد و تفكيكه إلى عدة دول ، و تحول أكبر دولة فيه – روسيا الاتحادية – إلى دولة رأسمالية مع صعود يلتسن إلى السلطة ، أصبح هناك اعتقاد سائد في العالم كله أن الشيوعية قد انتهت مع انتهاء الاتحاد السوفيتي . لكن هذا الاعتقاد غير صحيح ، و هناك فرق كبير بين انهيار الدولة و انتهاء الأيديولوجية، و دعوني اتحدث عن هذا بعض الشئ .

 

انهيار الدولة ممكن أن يكون عن طريق سقوط النظام أو احتلال الدولة ، النظام هو من ينهار أو منظماته أو حتى انهيار الأرض ذاتها ، و هذا حدث كثيراً على مر التاريخ ، و اذا فكرت في إعطاء أمثلة عن هذا سيأخذ مني الأمر ساعات و ممكن أيام .

 

أما انتهاء الايدلوجية ، فهو صعب أن يحدث و صعب ان تنتهي الأيديولوجية . في البداية يجب أن نعرف ما هي الأيديولوجية من الأساس ؟ . الايدلوجية هي فكر ، فكر يتبعه مجموعة من الناس أو الأشخاص ، سواء مجموعة صغيرة أو كبيرة . ومن الصعب أن تدمر فكر أو ايدلوجية معينة ، لأنك لن تستطيع الذهاب لأصحاب تلك الأيديولوجية و تقنعهم أنهم على خطأ ، هذا غير منطقي .

 

هناك العديد من الدول في هذا العالم كانت تتبع الفكر الشيوعي ، مثل الصين على سبيل المثال . الصين دولة في قارة آسيا لم تكن دولة عظمى – كما الإتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة – في القرن العشرين ، لكنها صعدت بقوة . لكن الصين الشيوعية صعدت و أصبحت دولة كبرى ، بالأخص مع بداية سقوط الاتحاد السوفيتي و دخوله في أزمات سياسية و اقتصادية .

 

الصين يسطير عليها حزب واحد – الحزب الحاكم – وهو الحزب الشيوعي الصيني ، لكن هل الصين مازلت شيوعية حتى الآن ؟ . الصين الآن هي دولة بها اقتصاد من أكبر اقتصادات في العالم ، تصدر منتجاتها إلى جميع دول العالم ، بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية ، و لن اقول انها تصدر الرقائق الإلكترونية و أنها الاولى عالمياً من الناحية الالكترونيه . في بدايات الدولة كانت شيوعية ، لكن الآن الصين اصبحت رأسمالية بأمتياز .

 

وفي وجهة نظري سبب عدم تغيير اسم الحزب الحالي و ابقاءه على اسمه القديم – الحزب الشيوعي – له عدة أسباب . اولا لتاريخ و عراقة هذا الإسم . الحزب الشيوعي حزب تاريخه عريق في الصين ، و تغيير اسمه سيمحي هذا التاريخ . و ثانيا ، من الممكن إذا تغير اسم الحزب لأي اسم آخر – الحزب الرأسمالي على سبيل المثال – هذا سيضعه في مرمى نيران الشيوعيين الصينيين ، الذي و بالتأكيد غاضبين من السياسيات الرأسمالية التي تتبعها الحكومة في السنوات و العقود الأخيرة .

 

و هناك تجارب في بلاد أخرى ، في كوبا على سبيل المثال ، الدولة التي أحبها بشدة . حدثت هناك ثورة بقيادة تشي جيفارا و فيدل كاسترو و رأوول كاسترو ، حولت البلاد من نظام رأسمالي يسيطر عليه باتيستا الديكتاتوري الذي كان يتبع لأمريكا ، إلى النظام الشيوعي .

 

و حاولت الولايات المتحدة كثيراً إسقاط النظام الشيوعي هناك بطرق عدة . حاولت إسقاط النظام عن طريق اغتيال قادته ، فحاولت اغتيال فيدل كاسترو مئات المرات لكنه نجى من جميع تلك المحاولات . و دخلت في حروب ضد كوبا ، و تحاصر هذه البلد منذ مدة طويلة .

 

لكن ، و إلى الرغم من الأوضاع الاقتصادية المتدنية للشعب الكوبي ، و الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة ، مازالت كوبا شيوعية حتى الآن و بعد ما تلك المحاولات . ، و لكن أيضاً ، يجب أن نسأل سوال مهم جدا ، هل سيظل النظام الشيوعي قائم في كوبا ام سينتهي و تتحول للرأسمالية ؟ .

 

في الحقيقة ، هذا ستحدده الايام و الوقت . الأوضاع الاقتصادية لكوبا صعبة ولا يتحملها شعب ، و من الممكن أن يسقط النظام الشيوعي بأحتجاجات داخليه أو حرب أمريكية ، لكن لا يجب أن ننسى أن هناك أشخاص في كوبا محبين للشيوعية ، و يريدون للنظام الشيوعي أن يستمر ، ولا يجب أن ننسى أيضاً أنها مدعومة روسيا و نظامها حليف لروسيا .

 

و هناك فيتنام ، الدولة الشهيرة التي حاربت امريكا 19 عاما . الدولة الذي سيطر عليها الشيوعيين بدعم من الاتحاد السوفيتي و الصين . خرجت فيتنام من حرب امريكا اقوى و ترسخ النظام الشيوعي هناك .

 

و يوجد سوال مهم جدا ، هل يزال هناك وجود للأحزاب الشيوعية في أوروبا و أمريكا اللاتينية ؟ . بالفعل توجد أحزاب شيوعية في أوروبا و أمريكا اللاتينية ، لكن ليست بالفاعلية التي كانت عليها في القرن العشرين ، لكنها موجودة و لديها شعبية على الرغم من تراجعها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .

 

في الواقع ، تلك الأحزاب ، و على الرغم من انحدار شعبيتها ، لديها وجود على الأرض و لها قاعدة برلمانية و نقابية . يوجد الحزب الشيوعي اليوناني ، الذي يعد من أقدم الأحزاب الشيوعية في أوروبا ، وهو الحزب الذي لديه مقاعد في البرلمان الأوروبي .

 

و يوجد الحزب الشيوعي البرتغالي ، له قاعدة عمالية و نقابية قوية في البرتغال . و ايضا الحزب الشيوعي الاسباني ، يعمل هذا الحزب كجزي من ائتلافات يسارية أوسع في اسبانيا ، و له أيضا وجود برلماني . و هناك حزب شيوعي في فرنسا و حزب شيوعي في التشيك . لكننا يمكننا أن نقول إن سمعتهم و شعبيتهم قلت و انخفضت بعد انهيار الممثل الشيوعي الاول في العالم وهو الاتحاد السوفيتي .

 

و ايضا ، توجد أحزاب شيوعية في امريكا اللاتينية ، مثل الحزب الشيوعي الكوبي ، وهو كما قلنا الحزب الحاكم و الحزب الأساسي في كوبا منذ الثورة الكوبية . و في البرازيل أيضا توجد أحزاب شيوعية شاركت تاريخيا في الائتلافات الحكومية اليسارية . و حزب شيوعي في تشيلي ، كلها أحزاب شيوعية مثلها مثل الأحزاب الشيوعية في أوروبا ، انخفض صوتها مع سقوط الاتحاد السوفيتي .

 

في النهاية ، ربما لم تمت الشيوعية و لم تنتهي و مازال لها وجود في العالم حتى ولو كان ضئيل ، لكن صوتها ام يعد كما كان في القرن العشرين . و لكن اقول أن الأفكار و الايدلوجيات تحتاج إلى مدة و وقت حتى تصل إلى الأشخاص و يكون لها شعبية .

 

في القرن التاسع عشر كانت الشيوعية فكره ينادي بها المفكر الألماني كارل ماركس ، و صعدت بشدة في القرن العشرين مع تأسيس الاتحاد السوفيتي . و الآن الشيوعية بالنسبة لي في اقل مستوياتها ، لكنها مراحل ، سعود و هبوط مراحل تمر بها أي فكرة أو ايدلوجية أو اي شئ في العالم .

 

و دعوني اقول انني ارى أو في وجهة نظري أن الشيوعية ستصعد مرة أخرى ، و سوف نراها تحكم دول عدة حول العالم ، و هذا سيكون بعد سقوط الرأسمالية . من الممكن أن يكون هذا بعد عقود أو نصف قرن لو قرن ، من الممكن أن نشاهد هذا أو أبناءنا أو احفادنا يشاهدونه ، لكنه و في رأيي سيحدث .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى