من يحمي المواطن من الغلاء؟

في حقيقة الأمر ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال، ليس لأن القضية تحتمل التأجيل، بل لأنني كنت أبحث عن سؤال يختصر ما يعيشه المواطن المصري اليوم، سؤال يحمل بين كلماته وجع ملايين الأسر التي أصبحت تبدأ يومها وهي تحسب ما تستطيع الاستغناء عنه قبل أن تفكر فيما تحتاج إليه، فلم أجد سؤالًا أصدق ولا أكثر إلحاحًا من هذا السؤال
من يحمي المواطن من الغلاء؟
إلى متى
إلى متى يا سيادة رئيس الوزراء
إلى متى سيظل المواطن هو الحلقة الأضعف في كل معادلة اقتصادية، وإلى متى سيُطلب منه أن يتحمل تكلفة كل أزمة بينما لا يرى سوى وعود بأن الغد سيكون أفضل
لسنوات طويلة امتدت ل 8 سنوات ونحن نسمع الخطاب نفسه وننتظر النتيجة، ثم نستيقظ على موجة جديدة من ارتفاع الأسعار يتبعها إعلان عن زيادة في المرتبات أو المعاشات إن زادت ، وكأن المطلوب من المواطن أن يعتبر تعويضه الغير كافي الخسائر إنجازًا لا أن يسأل لماذا خسر من الأساس
إن الأزمة لم تعد في قيمة المرتبات، وإنما في قيمة ما يتبقى منها بعد أن يلتهمها التضخم الناتج عن السياسات الاقتصادية.
واقع استمر لسنوات في ظل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، تضخم يلتهم الدخول وأسعار لا تعرف طريقًا إلى التراجع، ومواطن أصبح يخشى يوم صرف راتبه ويرتقب هل من زيادة!
لقد تحمل المواطن سنوات طويلة تحت عنوان “الإصلاح الاقتصادي” وقيل له إن التضحيات اليوم ستصنع مستقبلًا أفضل غدًا، لكن من حقه اليوم أن يسأل إلى متى، وما حدود ما يمكن أن يتحمله، وهل أصبح الإصلاح الاقتصادي يعني دائمًا أن يدفع المواطن وحده الثمن
والمشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في أسباب هذا الارتفاع، فلا يمكن بناء اقتصاد قوي بالاستهلاك وحده، ولا بالاستيراد، ولا بترك السوق يواجه أزماته دون زيادة حقيقية في الإنتاج، فالاقتصاد الذي لا ينتج بما يكفي يظل أكثر عرضة للتضخم، وأكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق وسعر الصرف، وأكثر اعتمادًا على الخارج في تلبية احتياجاته الأساسية
ولهذا أصبح ضعف الإنتاج المحلي أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، فكلما زاد الاعتماد على الواردات ارتفعت تكلفة المعيشة مع أي تغير اقتصادي أو مالي، بينما يظل الإنتاج الوطني أقل من أن يحقق التوازن المطلوب؛ والنتيجة أن المواطن يدفع ثمن هذه الفجوة كل يوم في غذائه ودوائه ومواصلاته وكل تفاصيل حياته
ورغم الحديث المتكرر عن أن القطاع الخاص سيقود قاطرة التنمية فإن الواقع يطرح سؤالًا مشروعًا، أين الطفرة الإنتاجية التي وُعدنا بها، وأين الاستثمارات الضخمة التي كان من المفترض أن تغير شكل الاقتصاد، لقد مرت سنوات وما زلنا نبحث عن نتائج لم تظهر بالشكل الذي يحقق التحول المنشود، بينما بقيت الأسعار في صعود لا يكاد يتوقف
ورغم ما قدمته الحكومة خلال السنوات الماضية من توسعات كبيرة في شبكات الطرق وإنشاء المدن الجديدة ومنح الحوافز والتيسيرات للمستثمرين، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يحقق الطفرة التي كانت تُطرح باعتبارها أحد أهم أهداف هذه السياسات، فمن يدفع الثمن؟
والأخطر من ذلك أن جانبًا كبيرًا من الاستثمارات اتجه إلى القطاعات الأسرع ربحًا وعلى رأسها العقارات والأنشطة الخدمية، بينما ظلت الصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي أقل نصيبًا من الاستثمارات التي تصنع قيمة مضافة وتوفر فرص عمل وتزيد الصادرات وتخفف الضغط على الواردات، ولذلك لم يتحقق التحول الإنتاجي الذي كان يمكن أن يحد من التضخم ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الأزمات
وعندما نتحدث عن بديل فنحن لا نطرح فكرة من فراغ، وإنما نستدعي تجربة مصرية أثبتت أن الإنتاج هو أساس القوة الاقتصادية، ففي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تبنت الدولة مشروعًا اقتصاديًا يقوم على التوسع في الصناعة الوطنية وإنشاء المصانع الكبرى ودعم القطاع العام باعتباره قاطرة التنمية والإنتاج، ورغم ما واجهته تلك التجربة من تحديات وظروف سياسية واقتصادية فإنها رسخت مبدأ لا يزال صالحًا حتى اليوم، أن الاقتصاد القوي يبدأ من المصنع ومن الأرض ومن العامل، وليس من الأسواق وحدها
ورغم ما عانته من حروب كانت تمس مصر بعينها
إلا انها صدمت وتماسكت ولم تحمل المواطن كل هذه الاعباء
لاكن كل ما نراه اليوم انه وإن فجّرت ازمه في قارة اخرى يدمرنا صداها هُنا وحتى انه يمكن ان لا يمس أصحاب الدمار الاصلي
نحنُ بحاجة ان نستعدي أي تجربة او مرحله ممن شابت قواها في الحروب ولم يؤثر ذالك على الشعب مثلما أثرَ اليوم، إن الإنتاج يسبق الاستهلاك، ويجب ألا الدولة لا تتخلى عن دورها في قيادة التنمية، إن القطاع العام عندما يُدار بكفاءة يمكن أن يكون ركيزة للاستقرار الاقتصادي إلى جانب قطاع خاص قوي ومنتج، لا بديلًا عنه ولا بديل للدولة
إن زيادة المرتبات رغم أهميتها لا يمكن أن تكون حلًا دائمًا، فما قيمة أي زيادة إذا كانت الأسعار تسبقها دائمًا، وما جدوى تحسين الدخل إذا كانت القوة الشرائية تتراجع شهرًا بعد شهر، لقد أصبحت الزيادة في المرتبات في نظر كثير من المواطنين مجرد محطة تسبق موجة جديدة من الغلاء فتتأكل قبل أن يشعر بها أصحابها
ويبقى السؤال الذي ينتظر ملايين المصريين إجابته، من يحمي المواطن من الغلاء، من يحميه من أن يكون الطرف الوحيد الذي يتحمل تكلفة كل قرار اقتصادي، ومن يحمي قدرته على الحياة الكريمة بينما تتسع الفجوة بين دخله واحتياجاته
إن حماية المواطن تكون بسياسات تمنع الخسارة من الأساس، تبدأ بإعادة الاعتبار للإنتاج الوطني، ودعم الصناعة والزراعة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وفرض رقابة فعالة على الأسواق، وربط أي إصلاح اقتصادي بتحسن حقيقي في مستوى معيشة الناس، لا بزيادة الأعباء عليهم
يا سيادة الرئيس أُناشدُك انقذنا من هذه الحكومة
يا سيادة الرئيس انقذنا واحمي البسطاء والفئات الاكثر احتياجاً من سياسات حكومة الدكتور مصطفى مدبولي التي لم تنجح حتى الآن في وقف هذا نزيف المواطن المستمر ولم تحقق له قدره على الحياة الكريمة
حتى النواب نفسهم لم يعودو إلا مقررين لما تطرحه الحكومة من سياسات ادت إلى حجم الديون الهائل
لقد صبر المواطن كثيرًا وتحمل الكثير، ولم يعد يبحث عن مبررات جديدة، بل عن نتائج يراها بعينيه في حياته اليومية، فمعركة المصريين اليوم ليست فقط مع الغلاء، وإنما مع شعور يتسلل إلى نفوسهم يومًا بعد يوم، أنهم أصبحوا وحدهم من يدفع ثمن كل شيء




