كلير صدقى تكتب :- بين التكنولوجيا والأخلاق.. ظاهرة “فن الغش” في امتحانات الثانوية العامة

لم يعد الغش في الامتحانات مجرد ورقة صغيرة تُخفى بين الكفوف، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ما يمكن تسميته “فنّاً” أسود وتجارة تكنولوجية تُدار عبر شبكات معقدة.
ومع انطلاق ماراثون الثانوية العامة، تطفو هذه الظاهرة على السطح لتشكل التحدي الأكبر لوزارة التربية والتعليم والمنظومة الأمنية على حد سواء.
من “البرشام” إلى السماعات الميكروية
إذا نظرنا إلى كواليس اللجان، نجد أن الحيل التقليدية تراجعت أمام ثورة التكنولوجيا الرقمية. بات الاعتماد اليوم على سماعات الأذن اللاسلكية متناهية الصغر (الميكرو)، والكروت الإلكترونية الذكية، والنظارات التي تنقل الصور مباشرة عبر الإنترنت. هذه التقنيات لم تعد مجرد محاولات فردية، بل تحولت إلى “بيزنس” غير مشروع يستهدف استغلال قلق الطلاب وأولياء الأمور، ويوهمهم بوجود طرق مختصرة للوصول إلى كليات القمة.
رصد ومواجهة حاسمة
على الجانب الآخر، تقف الدولة بالمرصاد لهذه الأساليب؛ حيث شهدت بعض المحافظات (مثل قنا والغربية) ضبط حالات نوعية لطلاب وطالبات حاولوا استخدام سماعات إلكترونية متطورة مخبأة بدقة في الملابس. تفعيل العصا الإلكترونية عند بوابات اللجان، وتشديد إجراءات التفتيش، وتطبيق قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات، كلها أدوات ساهمت في الحد من انتشار هذه الظاهرة وضبط المتورطين فوراً.
ضربة في مقتل لتكافؤ الفرص
الخطورة الحقيقية لـ “فن الغش” لا تكمن فقط في الجانب القانوني أو العقوبات التي قد تصل إلى الحرمان من الامتحانات والحبس، بل في تدمير مبدأ تكافؤ الفرص.
عندما يستوي الطالب الذي سهر الليالي واجتهد، مع آخر يعتمد على حيلة تكنولوجية، فإننا نضرب قيم العدالة والنزاهة في مقتل، ونصدر للمجتمع كفاءات مزيفة لا تقوى على بناء المستقبل.
الوعي هو الحل الأبقى
المواجهة الأمنية والتكنولوجية داخل اللجان ضرورية، لكنها تظل علاجاً للمظاهر لا للجذور.
الحل الحقيقي يبدأ من تغيير ثقافة “المجموع بأي ثمن” لدى الأسر، وغرس قيم الأمانة والاعتماد على النفس في نفوس الطلاب.
فالتعليم ليس مجرد ورقة عبور، بل هو رحلة بناء وعي ومعرفة لا يمكن اختصارها بحيلة أو سماعة مخبأة.




