✍️الْأَوْكْتَاجُونُ.. عَقْلُ الدَّوْلَةِ وَحِصْنُ السِّيَادَةِ..

لَا يَخْفَى عَلَى نَاظِرٍ أَنَّ جُمْهُورِيَّةَ مِصْرَ الْعَرَبِيَّةَ تَعِيشُ فِي مُحِيطٍ إِقْلِيمِيٍّ مُضْطَرِبٍ أَشَدَّ الِاضْطِرَابِ؛ فَمِنَ الشَّرْقِ تَتَشَابَكُ الْأَزَمَاتُ، وَمِنَ الْغَرْبِ تَمْتَدُّ التَّحَدِّيَاتُ الْأَمْنِيَّةُ، وَمِنَ الْجَنُوبِ تَتَسَارَعُ مُتَغَيِّرَاتٌ لَا تَقِلُّ خَطَرًا، بَيْنَمَا يَفْرِضُ الْبَحْرَانِ؛ الْأَحْمَرُ وَالْمُتَوَسِّطُ، مُعَادَلَاتٍ أَمْنِيَّةً مُتَجَدِّدَةً لَا تَكُفُّ عَنِ التَّبَدُّلِ.

وَفِي ظِلِّ بِيئَةٍ كَهَذِهِ، يَغْدُو امْتِلَاكُ مَنْظُومَةِ قِيَادَةٍ اسْتْرَاتِيجِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ ضَرُورَةً قُصْوَى تُمْلِيهَا اعْتِبَارَاتُ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ، لَا تَرَفًا تَنْظِيمِيًّا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ.
إِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تَسْتَثْمِرُ فِي تَشْيِيدِ مَنْظُومَاتِ الْقِيَادَةِ الْحَدِيثَةِ، إِنَّمَا تَسْتَثْمِرُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي صَوْنِ قَرَارِهَا الْوَطَنِيِّ، وَفِي تَدْعِيمِ قُدْرَتِهَا عَلَى إِدَارَةِ الْأَزَمَاتِ، وَمُوَاجَهَةِ شَتَّى السِّينَارْيُوهَاتِ بِكَفَاءَةٍ وَمُرُونَةٍ.

فَالرَّدْعُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَتَحَقَّقُ بِالسِّلَاحِ وَحْدَهُ، بَلْ يَتَحَقَّقُ حِينَ تُدْرِكُ الْأَطْرَافُ الْأُخْرَى أَنَّ وَرَاءَ هَذَا السِّلَاحِ مُؤَسَّسَاتٍ تَحْمِلُ الْعِلْمَ، وَالْخِبْرَةَ، وَالِانْضِبَاطَ، وَسُرْعَةَ الْبَتِّ فِي الْقَرَارِ.
وَمِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، يَعْكِسُ “الْأَوْكْتَاجُونُ” تَحَوُّلًا أَعْمَقَ فِي فَهْمِ عَمَلِيَّةِ الْإِدَارَةِ دَاخِلَ الدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ؛ فَكَمَا انْتَقَلَتِ الْوِزَارَاتُ وَالْهَيْئَاتُ إِلَى الْعَاصِمَةِ الْإِدَارِيَّةِ فِي سِيَاقِ بِنَاءِ جِهَازٍ حُكُومِيٍّ أَكْثَرَ كَفَاءَةً وَاتِّكَاءً عَلَى التَّقْنِيَةِ، جَاءَتْ هَذِهِ الْمَنْظُومَةُ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ التَّطْوِيرَ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمَدَنِيَّةِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ الْمُؤَسَّسَاتِ السِّيَادِيَّةَ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي إِطَارِ رُؤْيَةٍ شَامِلَةٍ لِتَحْدِيثِ بُنْيَةِ الدَّوْلَةِ بِرُمَّتِهَا.
إِنَّ الدُّوَلَ الْكُبْرَى لَا تَنْتَظِرُ وُقُوعَ الْأَزَمَاتِ لِتَشْرَعَ فِي بِنَاءِ أَدَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَبْنِي هَذِهِ الْأَدَوَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الِاسْتِقْرَارِ؛ حَتَّى تَكُونَ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ حِينَ تَفْرِضُ الظُّرُوفُ اخْتِبَارَهَا الْحَقِيقِيَّ. وَهَذِهِ هِيَ الْفَلْسَفَةُ الَّتِي تُمَيِّزُ الْقَادَةَ الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ بِعَقْلِ الدَّوْلَةِ، لَا بِعَقْلِ اللَّحْظَةِ الْعَابِرَةِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ “الْأَوْكْتَاجُونَ” لَيْسَ مُجَرَّدَ مَبْنًى ضَخْمٍ، وَلَا مُجَرَّدَ رَمْزٍ مِعْمَارِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعْلَانٌ عَمَلِيٌّ بِأَنَّ الدَّوْلَةَ الْمِصْرِيَّةَ قَدْ آثَرَتْ أَنْ تَسْتَثْمِرَ فِي الْعَقْلِ الَّذِي يُدِيرُ الْقُوَّةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَثْمِرَ فِي الْقُوَّةِ ذَاتِهَا، كَمَا أَنَّهُ تَأْكِيدٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ لَمْ يَعُدْ مَنْظُورًا عَسْكَرِيًّا ضَيِّقًا، بَلْ غَدَا مَنْظُومَةً حَيَوِيَّةً مُتَكَامِلَةً تَتَشَابَكُ فِيهَا التَّقْنِيَةُ، وَالْإِدَارَةُ، وَالتَّخْطِيطُ، وَسُرْعَةُ الْحَسْمِ، وَالْجَاهِزِيَّةُ الدَّائِمَةُ.

وَقَدْ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي تَقْيِيمِ السِّيَاسَاتِ أَوْ فِي قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ حَيٍّ نَابِضٍ، غَيْرَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ يَبْقَى رَاسِخًا عَلَى أَنَّ بِنَاءَ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ الْقَادِرَةِ، وَتَعْزِيزَ كَفَاءَتِهَا، وَتَطْوِيرَ أَدَوَاتِهَا، هُوَ اسْتِثْمَارٌ حَقِيقِيٌّ فِي مُسْتَقْبَلِ الْوَطَنِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تُقَاسُ بِمَا تُوَاجِهُهُ مِنْ تَحَدِّيَاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ بِقُدْرَتِهَا عَلَى الِاسْتِعْدَادِ الِاسْتْبَاقِيِّ لَهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا.
فَالْأَوْطَانُ لَا يَحْمِيهَا السِّلَاحُ مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا يَحْمِيهَا الْعَقْلُ الَّذِي يُوَجِّهُ هَذَا السِّلَاحَ، وَالْمُؤَسَّسَةُ الَّتِي تُحْسِنُ تَوْظِيفَهُ، وَالْإِرَادَةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ عَقِيدَةً وَطَنِيَّةً لَا تَرْتَبِطُ بِأَزْمَةٍ طَارِئَةٍ، بَلْ تَغْدُو جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ بُنْيَانِ الدَّوْلَةِ وَثَقَافَتِهَا.

وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِـ “الْأَوْكْتَاجُونِ”؛ فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ صَرْحٍ شَامِخٍ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ، بَلْ هُوَ عُنْوَانٌ لِدَوْلَةٍ قَرَّرَتْ أَنْ تَجْعَلَ مِنَ التَّخْطِيطِ، وَالْعِلْمِ، وَالْمُؤَسَّسِيَّةِ خَطَّ الدِّفَاعِ الْأَوَّلِ عَنْ أَمْنِهَا الْقَوْمِيِّ، وَأَنْ تَبْنِيَ قُوَّةً رَادِعَةً لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ إِمْكَانَاتٍ مَادِّيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ حِكْمَةٍ وَاقْتِدَارٍ فِي إِدَارَةِ هَذِهِ الْإِمْكَانَاتِ وَتَوْجِيهِهَا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى