أزمة الهوية بالمدارس الدولية.. كيف تحوّل غياب الرقابة التاريخي إلى مواجهة مع أولياء الأمور؟

بحثتُ طويلاً في الآونة الأخيرة عن معالجة منصفة وموضوعية تفكك أبعاد الأزمة المثارة حول امتحانات اللغة العربية ومواد الهوية بالمدارس الدولية، وتستوعب حجم الجدل المحيط بها، فلم أجد في الفضاء العام سوى مشاحنات سطحية، وتحيزات مسبقة، وتصفية حسابات ضيقة، بل ووصل الأمر إلى اتهامات وطعون طبِقية غريبة لا علاقة لها بجوهر العملية التعليمية.

 

 

لم يمتلك أحد شجاعة وضع الجميع أمام مسؤولياتهم الحقيقية وتشخيص واقع الأمر كما هو.

 

ومن منطلق المسؤولية الوطنية والمهنية، أكتب اليوم ما يمليه عليّ الضمير إزاء قرارات مفاجئة، يوجب المنطق السياسي والتعليمي التروي ومطالعة ما وراءها، وقياس أبعادها المجتمعية قبل الإقدام عليها، مهما بدت براقة أو “جذابة” في عين صانع القرار. هذا الطرح ليس مجرد رصد للازمة، بل هو دعوة جادة للتفكير العقلاني الهادئ.

 

معضلة “العدالة التعليمية” في فرض الهوية

بدايةً، يجب التأكيد على ثوابت لا تقبل المزايدة: تدريس اللغة العربية ومواد الهوية الوطنية هو حق سيادي أصيل للدولة لحماية وجدان أبنائها. لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في “المبدأ”، بل في “الآلية”؛ كيف نطبق هذا الحق؟ وكيف نمرره وفق مفهوم “العدالة التعليمية” الشاملة؟ هذا هو السؤال الإستراتيجي الذي كان يجب أن يخضع للدراسة المتأنية، بدلاً من اتخاذ تدابير تسببت في حالة من الاحتقان والغضب العام لدى المنظومة بأكملها.

 

 

إن غياب التنسيق يضعنا أمام مفارقة غريبة؛ فمن المفترض إدارياً وتنفيذياً أن تباشر وزارة التربية والتعليم دورها الرقابي الصارم على تدريس هذه المواد وتفعيلها منذ الصف الأول الابتدائي.

 

ولكن لسببٍ ما —يرجع لعقود مضت— غاب هذا الدور؛ وبسبب طبيعة واختلاف الأنظمة التعليمية الدولية، تراجعت هذه المواد ولم تأخذ نصابها الطبيعي في الجداول الدراسية، والوزارة كانت وما زالت مدركة لهذه الفجوة دون أن تضع لها حلولاً جذرياً أو تحاسب المتسبب فيها على مدار سنوات طويلة.

 

لغز اختبارات الشهادات والنجاح “بأثر رجعي”

هذا التراخي المؤسسي أنتج بطبيعة الحال تراجعاً لشغف الطالب بالمدارس الدولية تجاه هذه المواد، وهو طالب يعاني بالأساس من ضغط امتحانات والتزامات دولية صارمة تفرضها جهات الاعتماد الأجنبية.

 

ومع ذلك، كانت الوزارة تتولى سنوياً وضع اختبارات الشهادات (الإعدادية والثانوية العامة) وتصحيحها بمعرفتها. وهنا يثور تساؤل مشروع: كيف نجح آلاف الطلاب في هذه المواد خلال السنوات الماضية؟

 

الإجابة تضعنا أمام فرضيتين لا ثالث لهما: إما أن طالب المدرسة الدولية كان يبذل —بمعاونة أسرته ومعلميه— جهداً استثنائياً خارقاً لتعويض فجوة سنوات مضت في ترم دراسي واحد، وهو جهد يستحق عليه الشكر والدعم لا العقاب والملاحقة (مع الإقرار بوجود نسب رسوب ودور ثانٍ طبيعية).

 

وإما أن هناك ممارسات وتجاوزات أخرى نعلم جميعاً بوجودها والسكوت عنها.

 

وبدلاً من أن تلجأ الوزارة إلى أدواتها التنفيذية لتقنين وضبط الجداول الدراسية داخل تلك المدارس وإلزامها بنصاب الساعات المقررة قانوناً منذ البداية، اختارت الحل الأسهل والأعنف: وضعت الطلاب وأولياء الأمور فجأة في خط مواجهة مباشر معها، لتتخذ من أزمة الطلاب ورقة ضغط لإجبار الإدارات المدرسية على الانصياع مستقبلاً.

 

فهل هذا هو الأسلوب الأمثل لتدبير الأزمات التعليمية؟

 

 

فلسفة “عقدة المنشار” وغياب الشراكة المجتمعية

إن لجوء الأسر للتعليم الدولي لم يكن ترفاً، بل كان هروباً مشروعاً من عشوائية الأنظمة التعليمية المحلية التي ما زالت تبحث لها عن هوية واضحة وسط حقل تجارب لا ينتهي؛ حيث يأتي كل وزير يحمل لواء التطوير، ليغادر ويأتي خلفه بتطوير “برو ماكس”، بينما الواقع يشير إلى أننا ما زلنا نجاهد لمجرد اللحاق بالحد الأدنى من الركب العالمي.

 

حين تنجح المدارس الدولية في الاستقلال بنظامها وتحقيق بيئة تعليمية مستقرة، لماذا نصر على وضع “العقدة في المنشار” بين الحين والآخر؟ إن الحكمة تقتضي أن تُفعل الوزارة دورها الرقابي والتوجيهي بناءً على دراسة علمية، وبخطوات تدريجية منصفة تضمن كسب المجتمع في صفها، لا تحويله إلى خصم في معركة مجانية.

 

وهي سياسة إدارية مأزومة بدأت تتكرر في عدة مؤسسات مؤخراً، دون إدراك لخطورة غياب الشراكة المجتمعية في تمرير خطط الإصلاح.

 

ولتقريب مشهد عدم التكافؤ؛ تخيل لو أننا جئنا بطالب في مدرسة حكومية أو خاصة درس الإنجليزية كـ “لغة ثانية”، وفاجأناه في نهاية المطاف بضرورة أداء امتحان باللغة الإنجليزية وفق المعايير الدولية الـ (International)، وطالبناه بالتميز! هذا التناقض الصارخ هو ما واجهه طلاب المدارس الدولية؛ أطفال لم يؤسسوا في المادة بالشكل السليم، ولم يُحاسب المسؤول عن هذا التقصير، ثم نطلب منهم فجأة الامتثال لطريقتنا والنجاح بمعاييرنا المعقدة.

 

هذا المسلك يفتقر لأبسط مبادئ الحكمة وتكافؤ الفرص؛ فمن أراد المحاسبة، عليه أولاً توحيد وتهيئة الظروف.

 

معارك خاسرة وثمن يدفعه الأبرياء

نثمن بالطبع الإجراء الذي اتخذته الوزارة مؤخراً بالإعلان عن تجاوزات 12 مدرسة دولية كانت تتلاعب بورق الإجابات وتزوره لصالح طلابها، لكن هذا الإجراء يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: هل هذا الإجراء جاء نتاج رقابة مؤسسية شاملة وعادلة أم أنه مجرد واقعة عارضة ضُبطت بالمصادفة؟ وما هي الضمانات الإستراتيجية لمنع تكرار مثل هذه الممارسات دون تدمير مستقبل الطلاب؟

في توقيت حساس وضاحب كأيام الثانوية العامة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت بيوتنا القلقة، فإن اختيار توقيت القرارات الجدلية واللجوء للرقابة والمحاسبة الفجائية “بأثر رجعي” هو خيار إداري خاطئ يتطلب مراجعة جذرية.

 

 

إنها معركة خاسرة بامتياز للمنظومة التعليمية، ولن يغير من خسارتها تصدير “انتصار وهمي” بإجبار الطلاب على دخول اختبارات الدور الثاني.

 

الأزمة باختصار تتلخص في أن الوزارة قررت فجأة إصلاح إرث عقود من التقصير الإداري والتراخي الرقابي، لكنها بدلاً من البدء بمحاسبة نفسها وتعديل بيئتها التنفيذية، اختارت أن تجعل الطلاب وأولياء الأمور هم الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن كاملاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى