فرق التدخل السريع تنجح في إنقاذ أطفال وأسر وكبار بلا مأوى وتوفر الحماية الإنسانية في 6 محافظات الصحة: أكاديمية قلب المبرة تحصل على الاعتماد كمركز إقليمي وعالمي للتصوير القلبي الوعائي من الجمعية الأوروبية للتصوير القلبي الوعائي (EACVI) الدفاع الجوي العربي يتصدى لهجمات مسيّرة وصواريخ إيرانية.. وإجراءات طارئة لحماية المنشآت الحيوية استقرار أسعار الذهب في مصر اليوم وسط ترقب للأسواق العالمية كفيف يحمل شكاير الأسمنت بمساعدة نجله.. «العمل» تبحث دعم «عم مصطفى» بعد موجة تعاطف واسعة لا للقتل الجماعي .. «الزراعة» تعلن ضوابط جديدة للتعامل مع كلاب الشارع الأمن الرقمي وتعزيز المواطنة الرقمية.. ندوة توعوية تناقش تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب والمراهقين زالزال قوى يضرب المكسيك مسببا خسائر كبيرة محاكمة الأسبوع المقبل.. المحكمة الاقتصادية تنظر قضية "هاكر" اخترق كاميرات مراقبة لزوجين ونشر فيديوهاتهما اختبارات القدرات 2026.. دليلك الكامل للتسجيل الإلكتروني والكليات المتاحة وطرق السداد وضوابط الامتحان وإعلان النتائج

الـتَّـبَـجُّـحُ آخِـرُ مَـرَاحِـلِ الـسُّـقُـوطِ

ثَمَّةَ مَشْهَدٌ عَالِقٌ فِي غَيَاهِبِ ذَاكِرَتِي، يَعُودُ تَارِيخُهُ إِلَى عَامِ ٢٠١٤، حِينَمَا كَانَتِ الْبِلَادُ تَمُوجُ بِالتَّحْضِيرَاتِ لِلِانْتِخَابَاتِ الْبَرْلَمَانِيَّةِ؛ مَشْهَدٌ لَمْ يَكُنْ عَابِراً، بَلْ كَانَ دَرْساً قَاسِياً لَا يَزَالُ مَحْفُوراً فِي وِجْدَانِي.

كُنَّا نَجْلِسُ، أَنَا وَصَدِيقٌ لِي، نَرْتَشِفُ كُوباً مِنَ الْقَهْوَةِ دَاخِلَ السَّيَّارَةِ، وَنَتَجَاذَبُ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَشْهَدِ السِّيَاسِيِّ الْمُرْتَقَبِ وَنَقْرَأُ طَوَالِعَهُ. وَفَجْأَةً، قَطَعَتْ حَدِيثَنَا امْرَأَةٌ يَبْدُو عَلَيْهَا الْبُؤْسُ، طَرَقَتْ زُجَاجَ السَّيَّارَةِ لِتَعْرِضَ جَسَدَهَا مُقَابِلَ ثَمَنٍ بَخْسٍ.

لَمْ يَكُنِ الْمَشْهَدُ غَرِيباً عَلَى صَدِيقِي الَّذِي أَلِفَ تِلْكَ الْمَآسِي وَاعْتَادَ رُؤْيَةَ هَذِهِ الْفَوَاجِعِ فِي مَنَاطِقَ شَتَّى وَأَمَاكِنَ عِدَّةٍ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ تَمَلَّكَنِي الذُّهُولُ التَّامُّ وَأَلْجَمَتْنِي الصَّدْمَةُ.

وَفِي الْوَاقِعِ، مَا هَزَّ كِيَانِي وَأَثَارَ دَهْشَتِي حَقّاً لَمْ يَكُنْ سُقُوطُهَا الْأَخْلَاقِيُّ، بَلْ كَانَ «مَنْطِقُهَا الْمَعْكُوسُ»؛ إِذْ أَخَذَتْ تَسْرُدُ، كَشَأْنِ الْكَثِيرِ مِنْ ضَحَايَا الْحَيَاةِ، تَبْرِيرَاتٍ تَرَاهَا صَكَّ غُفْرَانٍ لِمَا آلَتْ إِلَيْهِ أُمُورُهَا.

وَمِنْ رَحِمِ هَذَا التَّبْرِيرِ، قَفَزَتْ إِلَى ذِهْنِي تِلْكَ الْمَقُولَةُ الْخَالِدَةُ لِلْأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ مُصْطَفَى مَحْمُودٍ — رَحِمَهُ اللهُ — «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ لِصّاً، فَابْحَثْ لَكَ عَنْ مَنْطِقٍ تَسْرِقُ النَّاسَ بِهِ».

وَلِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ سَرْدِيَّتَهُ الَّتِي يُوَارِي بِهَا سَوْأَتَهُ، هَمَسْتُ لِنَفْسِي: مَتَى رَأَيْتَ الْمَرْءَ يَتَبَجَّحُ بِخَطِيئَتِهِ وَيُجَاهِرُ بِهَا، فَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّهُ قَدْ بَاعَ كُلَّ غَالٍ، وَلَمْ يَعُدْ فِي جُعْبَتِهِ مَا يَخْشَى فِقْدَانَهُ أَوْ يَخَافُ هَتْكَ سِتْرِهِ.

وَفِي الْحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنِ اسْتِحْضَارِي لِتِلْكَ الْقِصَّةِ الْيَوْمَ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ نِتَاجُ مَا بِتْنَا نَصْطَدِمُ بِهِ مِنْ حَوَادِثَ مُفْجِعَةٍ، وَفَوَاحِشَ صَادِمَةٍ يَضِجُّ بِهَا الْوَاقِعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْسَاطِ أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهَا.

وَلَمْ يَكُنْ مَبْعَثُ الِاسْتِهْجَانِ هُنَا هُوَ مُجَرَّدَ صُدُورِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ عَنْ أَشْخَاصٍ يَقْبَعُونَ فِي قَاعِ الْمُجْتَمَعِ، بَلْ لِأَنَّهَا كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَةٍ عُورَاءَ نَرَاهَا تَتَجَسَّدُ أَمَامَنَا فِي كُلِّ حِينٍ؛ وَهِيَ أَنَّهُ: إِذَا مَاتَ الْحَيَاءُ، فَلَا تَنْتَظِرْ خَيْراً.

فَالْإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَزَالُ يَنْطَوِي فِي جَوَانِحِهِ عَلَى قِيَمٍ يَخْشَى خَسَارَتَهَا، وَسُمْعَةٍ يَسْهَرُ عَلَى صَوْنِهَا، وَأَخْلَاقٍ يَسْتَحِي أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَاتُهَا أَمَامَ الْعَلَنِ، يَظَلُّ مَحْكُوماً فِي كَلَامِهِ وَسُلُوكِهِ بِقَدْرٍ مِنَ الْحَذَرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالْمُرَاجَعَةِ الدَّائِمَةِ لِلذَّاتِ.

أَمَّا حِينَمَا يَنْفَضُّ عَنِ الْمَرْءِ آخِرُ دِثَارٍ مِنَ الْحَيَاءِ، فَتَأْمَلْ كَيْفَ يَغْدُو التَّبَجُّحُ لَدَيْهِ أَسْهَلَ مِنَ الِارْتِدَادِ لِلْأَنْفَاسِ، وَكَيْفَ تَنْقَلِبُ الْوَقَاحَةُ فِي نَظَرِهِ إِلَى فَضِيلَةٍ مَزْعُومَةٍ، بَلْ وَيُصْبِحُ الْهُجُومُ الضَّارِي عَلَى الْآخَرِينَ هُوَ دِرْعَهُ الْوَحِيدَةَ لِمُوَارَاةِ خَوَائِهِ الدَّاخِلِيِّ وَعُرْيِهِ النَّفْسِيِّ.

وَلَعَلَّ أَشَدَّ مَا نُقَاسِيهِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ خُطُورَةً، هُوَ تَمَدُّدُ هَذِهِ الْآفَةِ وَانْسِلَاخُهَا مِنَ النِّطَاقِ الْفَرْدِيِّ الضَّيِّقِ، لِتَلْتَهِمَ الْمَجَالَ الْعَامَّ بِرُمَّتِهِ:

• فَفِي الْمِضْمَارِ السِّيَاسِيِّ: بِتْنَا نَرَى نَمَاذِجَ مِنَ السَّاسَةِ يَتَبَجَّحُونَ بِخَطَايَا وَمُوبِقَاتٍ كَانَتِ الْأَجْيَالُ السَّابِقَةُ تَتَوَارَى خَجَلًا مِنْ مُجَرَّدِ الْإِيمَاءِ إِلَيْهَا، فَإِذَا بِهَا الْيَوْمَ تُعْرَضُ كَإِنْجَازَاتٍ تَدْعُو لِلْمَفْخَرَةِ.

• وَفِي مَيَادِينِ الْإِعْلَامِ وَالثَّقَافَةِ: بِتْنَا نُعَايِنُ نُخَباً مَحْسُوبَةً عَلَى الْفِكْرِ تَرْفَعُ عَقِيرَتَهَا بِالصُّرَاخِ وَالْعَوِيلِ، لَا لِقُوَّةٍ تَمْلِكُهَا فِي حُجَّتِهَا، بَلْ لِأَنَّ الضَّجِيجَ الْأَجْوَفَ أَصْبَحَ فِي زَمَنِنَا هَذَا بَدِيلًا زَائِفاً عَنِ الْبُرْهَانِ وَالْمَنْطِقِ.

لَقَدْ كَانَ الْحَيَاءُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْخَالِيَةِ سِيَاجاً أَخْلَاقِيّاً صَارِماً، يَحْرُسُ قِيَمَ الْمُجْتَمَعِ وَيَحْفَظُ تَوَازُنَهُ وَتَمَاسُكَهُ. أَمَّا فِي «عَصْرِ التَّبَجُّحِ»، فَقَدِ انْقَلَبَتِ الْمَعَايِيرُ رَأْساً عَلَى عَقِبٍ؛ إِذْ غَدَا الِاعْتِذَارُ انْكِسَاراً، وَالْمُرَاجَعَةُ تَصَاغُراً، فِي حِينِ صَارَتِ الْوَقَاحَةُ جُرْأَةً، وَتَحَوَّلَ التَّطَاوُلُ إِلَى شَجَاعَةٍ فِكْرِيَّةٍ مَزْعُومَةٍ.

وَالْمُفَارَقَةُ الْمُوجِعَةُ هُنَا، أَنَّ تِلْكَ الْحِكْمَةَ الْبَالِغَةَ، الَّتِي عَمِيَتْ عَنْهَا بَصَائِرُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ وَأَصْحَابِ الشَّهَادَاتِ الْعُلْيَا، تَلَقَّيْتُهَا مِنْ إِنْسَانَةٍ سَحَقَتْهَا الظُّرُوفُ أَوْ خِيَارَاتُهَا، لِتَهْوِيَ بِهَا إِلَى أَدْنَى دَرَكَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَأَكْثَرِهَا بَلَاءً.

وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ أَرَادَتْ أَنْ تُهْدِيَنِي دَرْساً خَالِداً: أَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَعْرِفُ الْهَوِيَّةَ وَلَيْسَتْ حِكْراً عَلَى أَحَدٍ، وَأَنَّ شُعَاعَ النُّورِ قَدْ يَنْبَثِقُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَعْمَاقِ عَتَمَةً، وَمِنْ رَحِمِ الدَّيَاجِيرِ الْقَاتِمَةِ.

لَقَدْ أَدْرَكْتُ يَوْمَهَا أَنَّ قَعْرَ السُّقُوطِ وَأَشَدَّ مَرَاحِلِهِ خُطُورَةً، لَيْسَتْ فِي اقْتِرَافِ الْإِنْسَانِ لِلْخَطَأِ —فَالْخَطَأُ جِبِلَّةٌ بَشَرِيَّةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا— لَكِنَّ الْجُرْمَ الْأَكْبَرَ هُوَ أَنْ يَمُوتَ فِيهِ الْوَازِعُ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْجَلُ مِنْ زَلَّتِهِ وَخَطِيئَتِهِ؛ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنَ الْمُسْتَتِرِ بِذَنْبِهِ، الْمُنْكَسِرِ لِعَجْزِهِ خَشْيَةَ الْفَضِيحَةِ، إِلَى مُجَاهِرٍ مُتَبَاهٍ بِسَقْطَتِهِ؛ وَيَسْتَحِيلَ مِنْ مُخْطِئٍ يَسْتَمْطِرُ الصَّفْحَ وَالْمَغْفِرَةً، إِلَى مُتَبَجِّحٍ صَلِفٍ يُهَاجِمُ كُلَّ حَنْجَرَةٍ تَنْطِقُ بِالْحَقِيقَةِ أَمَامَهُ.

وَإِذَا مَا تَحَوَّلَ التَّبَجُّحُ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَهْجَنٍ إِلَى نَمَطٍ مُجْتَمَعِيٍّ عَامٍّ، فَلَا تَنْتَظِرْ مِنْ هَذِهِ الْبِيئَةِ إِلَّا سُقُوطاً يَتْلُوهُ سُقُوطٌ؛ لِأَنَّ الْحَضَارَاتِ لَا تَنْهَارُ لِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْخَطَأِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ بِهَا الْهَلَاكُ حِينَمَا يُحْتَفَى بِالْخَطِيئَةِ، وَتُقَامُ لَهَا حُصُونٌ مِنَ التَّبْرِيرِ.

إِنَّ الْمُتَبَجِّحَ فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِ لَيْسَ جَبَّاراً كَمَا يَتَرَاءَى لِلْعُيُونِ، وَلَا صَلْداً كَمَا يَدَّعِي، بَلْ هُوَ كَائِنٌ مَهْدُومٌ مِنَ الدَّاخِلِ، نَفَضَ يَدَهُ مِنْ كُلِّ غَالٍ كَانَ يَخْشَى خَسَارَتَهُ؛ فَأَمْسَى لَا يَرَى جَدْوَى لِلِاحْتِشَامِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَلَا مَعْنًى لِلِاسْتِتَارِ، وَلَا قِيمَةً لِمُرَاجَعَةِ الذَّاتِ.

لِذَلِكَ كَانَ التَّبَجُّحُ —وَلَمْ يَزَلْ— شَاهِدَ عِيَانٍ عَلَى خَسَارَةٍ دَاخِلِيَّةٍ فِجَائِعِيَّةٍ، لَا دَلِيلاً عَلَى صَلَابَةٍ أَوْ شَجَاعَةٍ أَوْ رِفْعَةٍ كَمَا يَسْعَى أَرْبَابُهُ لِإِيهَامِ الْعَامَّةِ.

فَالـتَّـبَـجُّـحُ هُـوَ نِـهَـايَـةُ كُـلِّ فَـضِـيـلَـةٍ، وَلَا يَـلْـتَـحِـفُ بِـهِ إِلَّا مَـنْ بَـاعَ كُـلَّ شَـيْءٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى