مدبولى: البرنامج الاقتصادي الوطني سيعرض على رئيس الجمهورية تمهيدا لإعلانه رسميا السيدة انتصار السيسى تصطحب قرينة رئيس الجبل الأسود فى جولة بمعرض ديارنا بالعلمين من برلين.. "التعليم" و"مؤسسة ساويرس" يوقعان بروتوكولاً لإنشاء 10 مدارس تكنولوجيا تطبيقية في الفندقة والإنشاءات عبير عطا الله : حل أزمة شهادات الدبلومة الأمريكية بالسعودية انتصار لأبناء الجالية المصرية ورسالة تؤكد اهتمام الدولة بمواطنيها نقيب المحامين يصدر قرارًا بتشكيل مجلس أمناء معهد المحاماة ويحدد مهامه مصري بالجلباب الصعيدي في شوارع أمريكا يثير تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل من برلين.. "التعليم" و"مؤسسة ساويرس" يوقعان بروتوكولاً لإنشاء 10 مدارس تكنولوجيا تطبيقية في الفندقة والإنشاءات فريق المخ والأعصاب بمستشفى 15 مايو التخصصي يحقق إنجازًا جديدًا مصرع شخص وإصابة 29 آخرين إثر حادث تصادم أوتوبيس وسوزوكي في 6 أكتوبر محافظ الجيزة يتابع انطلاق قافلة طبية مجانية بمنشأة القناطر لدعم المناطق الأكثر احتياجا

آفَةُ الْغِشِّ التَّعْلِيمِيِّ.. عَرَضٌ لِوَاقِعٍ مَأْزُومٍ…

لَمْ تَعُدْ ظَاهِرَةُ الْغِشِّ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ مُجَرَّدَ كَبْوَةٍ سُلُوكِيَّةٍ عَابِرَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ فَرْدِيٍّ خَجُولٍ كَمَا عَهِدْنَاهَا سَابِقًا، بَلْ تَفَاقَمَتْ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ لِتُصْبِحَ ظَاهِرَةً مُتَجَذِّرَةً تَتَّسِمُ بِجُرْأَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، حَتَّى وَصَلَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إِلَى اسْتِلَابِ النَّجَاحِ الزَّائِفِ عَنْوَةً وَبِقُوَّةِ الْعَيْنِ، مُتَجَرِّدِينَ مِنْ أَدْنَى مَعَايِيرِ الْأَخْلَاقِ، وَمُسْتَبِيحِينَ كُلَّ وَازِعٍ مِنْ ضَمِيرٍ أَوْ حَيَاءٍ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ حُرْمَةَ الْغِشِّ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّ زَجْرَ الرَّسُولِ الْأَكْرَمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَاسِمًا قَاطِعًا فِي قَوْلِهِ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، إِلَّا أَنَّ التَّعَامِيَ الْعَمْدِيَّ عَنْ هَذَا النَّصِّ قَدْ بَاتَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا؛ بَلْ إِنَّ الْفَاجِعَةَ الْكُبْرَى تَكْمُنُ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآبَاءِ لَمْ يَعُودُوا يَرَوْنَ فِي غِشِّ أَبْنَائِهِمْ غَضَاضَةً، بَلْ يُسَابِقُونَ الزَّمَنَ لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَيْهِ وَتَعْبِيدِ طُرُقِهِ لَهُمْ وَفِي الْوَاقِعِ إِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الِانْحِرَافِيَّ لَيْسَ نَوْبَةً مِنَ الْجُنُونِ أَوْ ضَرْبًا مِنَ الِانْفِصَامِ النَّفْسِيِّ، بَلْ هُوَ نِتَاجُ “تَوَاطُؤٍ مُجْتَمَعِيٍّ مَشْبُوهٍ”، وَمُحَاوَلَةٌ بَائِسَةٌ لِلِاسْتِسْلَامِ لِوَاقِعٍ مَرِيرٍ أُقْصِيَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَتَسَيَّدَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْأَنَانِيَّةُ عَلَى حِسَابِ الْمَبَادِئِ، حَتَّى جَنَيْنَا ثِمَارًا مُرَّةً لِسِيَاسَاتٍ مُتَسَاهِلَةٍ أَوْرَثَتْنَا هَذَا الْفَسَادَ الْمُسْتَشْرِيَ.


وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، إِنَّ تَفْكِيكَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الصَّادِمَةِ وَتَحْلِيلَ أَبْعَادِهَا، يَسْتَوْجِبُ الْوُقُوفَ مَلِيًّا عَلَى أَرْبَعَةِ جُذُورٍ بِنْيَوِيَّةٍ تَشْتَرِكُ فِي صُنْعِ هَذَا الِانْحِدَارِ:
• أَوَّلًا: أَمَلٌ مُكْلِفٌ وَرِهَانٌ حَارِقٌ تَسْتَنْزِفُ رِحْلَةُ الْبَحْثِ عَنِ الْمَعْرِفَةِ جُهْدَ الْأُسَرِ (الْمُتَوَسِّطَةِ)، إِذْ تُقَامِرُ بِإِنْفَاقِ زُهَاءِ ثُلُثِ دَخْلِهَا الشَّحِيحِ عَلَى تَعْلِيمِ أَبْنَائِهَا، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْمُجْتَمَعَ يَضَعُ كُلَّ رِهَانَاتِهِ الْوُجُودِيَّةِ وَمُسْتَقْبَلَهُ الْمَعِيشِيَّ فِي سَلَّةِ “الشَّهَادَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ”، وَهُوَ مَسْعًى يَبْدَأُ نَبِيلًا فِي أَصْلِهِ، لَكِنَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى عِبْءٍ يَكْسِرُ الظُّهُورَ.
• ثَانِيًا: تَعْلِيمٌ بِلَا عُقُودٍ (الْوَعْدُ الْمَخْلُوفُ) عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْمَارِ الْأُسَرِيِّ الْمُضْنِي، فَإِنَّ مَنْظُومَةَ التَّعْلِيمِ الْقَائِمَةَ لَا تُقَدِّمُ لِلطَّالِبِ أَيَّ ضَمَانَاتٍ لِمُسْتَقْبَلٍ آمِنٍ أَوْ وَظِيفَةٍ تَحْفَظُ كَرَامَتَهُ؛ إِذْ أَمْسَتِ الْوَظَائِفُ النُّخْبَوِيَّةُ وَالْمَرْمُوقَةُ إِرْثًا مُحْتَكَرًا لِفِئَاتٍ وَشَرَائِحَ طَبَقِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مُنْذُ عُقُودٍ، فِعْلًا وَتَرْسِيخًا لِلْمَثَلِ الشَّعْبِيِّ الْقَائِلِ: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ ظَهْرٌ.. فَسَوْفَ تُضْرَبُ عَلَى بَطْنِكَ).
• ثَالِثًا: فِصَامُ الْفَضَاءِ الْعَامِّ وَمَأْسَاةُ الْيَوْمِيِّ يَعِيشُ الْمُوَاطِنُ حَالَةً مِنَ الِانْفِصَامِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ الْغِشَّ مُسْتَشْرِيًا فِي مَفَاصِلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ؛ بِدَاءً مِنْ رَدَاءَةِ الطُّرُقِ وَتَبَدُّدِ جَوْدَةِ الْمَأْكَلِ، وَوُصُولًا إِلَى الْإِتَاوَاتِ وَالرَّشَاوَى الَّتِي تُدْفَعُ قَسْرًا لِنَيْلِ أَبْسَطِ الْحُقُوقِ الْآدَمِيَّةِ كَالصِّحَّةِ وَالْمُرُورِ. لَقَدْ بَلَغَ غِيَابُ الْعَدَالَةِ سُدَّتَهُ، حَتَّى بَاتَ الْمُوَاطِنُ الَّذِي يُصَادِفُ مِرْفَقًا خَدَمِيًّا مُنَظَّمًا نَزِيهًا، خَالِيًا مِنْ رَائِحَةِ “الشَّايِ بِالْيَاسَمِينِ”، يُهَرْوِلُ مَذْهُولًا لِيُدَوِّنَ هَذِهِ “الْمُعْجِزَةَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ” عَلَى مِنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
• رَابِعًا: حَتْمِيَّةُ الْأَوَانِي الْمُسْتَطْرَقَةِ إِنَّ الْعَقْلَ وَالْمَنْطِقَ يَأْبَيَانِ أَنْ يَظَلَّ قِطَاعُ التَّعْلِيمِ جَزِيرَةً مَعْزُولَةً تَفُوحُ نَزَاهَةً وَشَرَفًا، فِي وَسَطِ مُحِيطٍ صَاخِبٍ مِنَ الْفَسَادِ، وَالْمَحْسُوبِيَّةِ، وَانْعِدَامِ الْكَفَاءَةِ؛ فَالْقِيَمُ لَا تَتَجَزَّأُ، وَالْمُجْتَمَعُ كُلٌّ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ.
فَالْمَنْظُومَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ التَّيَّارَاتِ الْجَارِفَةِ، بَلْ هِيَ رَهِينَةٌ لِذَاتِ الْمُؤَثِّرَاتِ النَّاخِرَةِ فِيهَا؛ مِمَّا سَرَّعَ وُقُوعَهَا فِي هُوَّةِ التَّدَهْوُرِ، لِتَنْصَهِرَ فِي النِّهَايَةِ دَاخِلَ تِلْكَ الدَّائِرَةِ الْمُغْلَقَةِ لِلِانْهِيَارِ الشَّامِلِ.
إِنَّ الْمُوَاطِنَ بَاتَ يَسْتَفِيقُ يَوْمِيًّا عَلَى أَصْدَاءِ “مَنَصَّاتِ التَّسْرِيبِ” الَّتِي اسْتَبَاحَتْ قُدْسِيَّةَ الِامْتِحَانَاتِ وَأَعْجَزَتْ بِتَحَدِّيهَا آلَةَ الرَّدْعِ الْحُكُومِيَّةِ، كَمَا يَشْهَدُ بِأُمِّ عَيْنِهِ مَهْزَلَةَ “اللِّجَانِ الْخَاصَّةِ” الَّتِي تُفَصَّلُ حَصْرًا عَلَى مَقَاسِ أَبْنَاءِ النُّخَبِ وَالْمَحْظُوظِينَ؛ فِي تَكْرِيسٍ صَارِخٍ لِلطَّبَقِيَّةِ حَتَّى فِي مَيَادِينِ الْعِلْمِ.
فِي حِينِ أَنَّ الشَّبَابَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْحَيَّةِ وَالنَّاهِضَةِ يَسْتَفْرِغُونَ وُسْعَهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِيَقِينِهِمْ أَنَّ جُهْدَهُمْ مُقَدَّرٌ مَحْفُوظٌ، وَأَنَّ مَيَادِينَ التَّنَافُسِ أَمَامَهُمْ تَقُومُ عَلَى أَرْكَانٍ رَاسِخَةٍ مِنَ الشَّفَافِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْعَدَالَةِ النَّاجِزَةِ.
فَلَسْنَا نَبْتًا شَاذًّا بَيْنَ الْأُمَمِ، وَلَا بِدْعًا مِنَ الْبَشَرِ، وَلَكِنَّنَا أُمَّةٌ تَعَطَّلَ فِيهَا مُؤَقَّتًا شَرْطُ التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ، وَغُيِّبَ عَنْهَا مَبْدَأُ الْمُحَاسَبَةِ الصَّارِمَةِ، فَاهْتَزَّتْ فِيهَا عُرَى الثِّقَةِ بِالْمُؤَسَّسَاتِ.
مِنْ هُنَا، لَمْ يَعُدِ الْغِشُّ مُجَرَّدَ خُرُوجٍ عَابِرٍ عَلَى النَّصِّ السُّلُوكِيِّ، أَوْ كَسْرٍ لِقَوَانِينَ مَكْتُوبَةٍ؛ بَلْ هُوَ “عَرَضٌ صَارِخٌ” لِعِلَّةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ أَشَدَّ فَتْكًا وَخُطُورَةً، عُنْوَانُهَا الْأَبْرَزُ: تَهَاوِي النِّظَامِ، وَغِيَابُ الْعَدَالَةِ التَّكَافُؤِيَّةِ.
وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ نُقْطَةَ الِانْطِلَاقِ الْجَادَّةِ لِاسْتِئْصَالِ شَأْفَةِ هَذَا الْعَفَنِ الْمُسْتَشْرِي لَا تَمُرُّ عَبْرَ الدِّعَايَاتِ الْفَارِغَةِ أَوِ الشِّعَارَاتِ الْجَوْفَاءِ، بَلْ تَرْتَهِنُ بِخُطُوَاتٍ إِجْرَائِيَّةٍ صَارِمَةٍ تَنْتَشِلُ الْمُجْتَمَعَ مِنْ رِبْقَةِ الْفَوْضَى إِلَى رِحَابِ دَوْلَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْقَانُونِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ رَكَائِزَ أَسَاسِيَّةٍ، أَبْرَزُهَا:
▪︎أَوَّلًا: بَسْطُ سِيَادَةِ الْقَانُونِ بِصَرَامَةٍ نَاجِزَةٍ عَلَى الْجَمِيعِ، دُونَ مُحَابَاةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ.
▪︎ثَانِيًا: تَمْكِينُ أَهْلِ الْكَفَاءَةِ، وَتَثْوِيرُ الْمَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ بِمَا يُوَاكِبُ تَحَدِّيَاتِ الْعَصْرِ وَمُسْتَجَدَّاتِهِ.
▪︎ثَالِثًا: تَأْصِيلُ مَبْدَأِ الْمُسَاءَلَةِ، وَإِيقَاعُ الْعُقُوبَاتِ الرَّادِعَةِ بِحَقِّ الْمُقَصِّرِينَ وَسَدَنَةِ الْفَسَادِ.
▪︎رَابِعًا: صَوْنُ اسْتِقْلَالِيَّةِ الصُّرُوحِ الْجَامِعِيَّةِ، وَتَعْزِيزُ دَوْرِ الْمَجَالِسِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَالْأَجْهِزَةِ الرَّقَابِيَّةِ.
وَخِتَامًا: إِنَّهُ لَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ الطَّالِبِ السَّاعِي خَلْفَ أَسْوَارِ لَجْنَةِ الِامْتِحَانِ، مَا لَمْ يَسْتَقِمْ عُودُ الْمُجْتَمَعِ أَوَّلًا عَلَى مَوَازِينِ النَّزَاهَةِ وَتَكَافُؤِ الْفُرَصِ؛ فَالْعَدْلُ كَانَ وَسَيَظَلُّ هُوَ الْأَسَاسُ، وَبِدُونِهِ لَا تَعْدُو الشَّهَادَاتُ الْعِلْمِيَّةُ أَنْ تَكُونَ حِبْرًا زَائِفًا عَلَى أَوْرَاقٍ بَائِرَةٍ لَا قِيمَةَ لَهَا وَلَا أَمَانَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى