الهام فايد تكتب.. يوم من عمرى

لماذا لم يعد الحب بهذه البساطة والعمق؟ كان هذا التساؤل أثناء حديثنا أنا ومجموعة من الصديقات عن سينما الزمن الجميل، وتحديداً فيلم “يوم من عمري”. هذا العتاب اللطيف لواقعنا المعاصر جعلنا نتأمل معاً سر الخلطة السحرية التي جعلت من قصة “صلاح ونادية” تعيش في وجداننا حتى اليوم. وبعد نقاش طويل امتد لساعات بين مؤيد ومعارض، اتفقت الآراء على أن هذا العمل لا يبيع لنا أوهاماً، بل يقدم فلسفة حقيقية في معنى الحرية والحياة، وهو ما نحاول استكشافه في هذا المقال.
في ظاهر الأمر، قد يبدو فيلم يوم من عمري للنجمين عبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت والمخرج عاطف سالم، مجرد قصة حب روجت لها السينما الكلاسيكية في زمنها الجميل. لكن التدقيق في جوهر هذا العمل يكشف عن رسالة إنسانية وفلسفية أعمق بكثير، رسالة تتمحور حول المفهوم الحقيقي للوقت، والحرية، وقيمة المشاعر الإنسانية في مواجهة الماديات.
الفيلم يطرح تساؤلاً جوهرياً، هل تُقاس الحياة بعدد السنين التي نعيشها، أم بصدق اللحظات التي نشعر فيها أننا أحياء حقاً؟ من خلال رحلة الهروب التي تخوضها “نادية” (زبيدة ثروت) من قيود الثروة والتحكم، ولقائها بالصحفي البسيط “صلاح” (عبد الحليم حافظ)، يضعنا الفيلم أمام مواجهة مباشرة بين عالمين: عالم الماديات الزائفة المليء بالمؤامرات، وعالم البساطة التلقائية حيث المتعة في رغيف خبز يُقتسم في الشارع.
المعنى الأسمى الذي أراد الفيلم إيصاله هو أن “الحرية هي المغناطيس الحقيقي للحب”. نادية لم تقع في حب صلاح لماله أو جاهه، بل لأنه منحها المساحة لتكون على طبيعتها، ولأنه شاركها يوماً واحداً من العمر تجردت فيه من كل الألقاب والقيود والهموم. هذا “اليوم الواحد” يختزل فلسفة العمل كاملة: إن لحظة صدق واحدة، نعيشها بحرية وشغف مع من نحب، تعادل في قيمتها دهراً كاملاً من العيش في قصور باردة مشحونة بالزيف.
كذلك، يبرز الفيلم مفهوم “انتصار الضمير الإنساني على المنفعة المادية”. يظهر ذلك جلياً في الصراع النفسي الذي عاشه صلاح، فالخبطة الصحفية التي كانت ستحقق له المجد المهني والمال، تراجع عنها طواعية احترماً لقلب نادية وحمايةً لها. السيناريو هنا يخبرنا أن المكاسب المادية مؤقتة، بينما الحفاظ على نقاء النفس والوفاء للآخرين هو ما يبقى ويمنح الإنسان احترامه لذاته.
في النهاية، يظل فيلم يوم من عمري درساً سينمائياً بليغاً يعلمنا أن العمر لا يحسب بالبقاء الممتد، بل بالعمق والمشاعر. إنه دعوة مفتوحة للجميع لكي نتخفف من قيود المظاهر، ونبحث عن اليوم الخاص بنا الذي نعيشه بصدق وحرية، لأنه وحده ما يستحق أن يُسمى.. عمراً.




