لإنقاذ قوت الغلابة.. أسندوا الأسعار لـ “الأمن الوطني”

تعيش الأسواق المصرية في السنوات الأخيرة حالة من الفوضى غير المسبوقة، حيث بات المواطن يواجه إرهاقاً معيشياً ضاغطاً يفوق طاقته الاحتمالية، وعلى مدار عشر سنوات كاملة يتم سحل هذا المواطن الصابر يومياً في غياب تام لوعي حكومي مفقود، ومن خلال سياسات منفصلة تماماً عن واقع الشارع ونبضه المأزوم، وكأن صناع القرار يعيشون في جزر معزولة لا يلتفتون فيها إلى أنين البيوت وعجز أرباب الأسر. ولم تعد الأزمة مجرد تقلبات اقتصادية طبيعية يمكن تبريرها، بل تحولت إلى جشع منظم وارتفاع عشوائي جنوني، حتى إن معظم السلع الحيوية والأساسية شهدت قفزات مرعبة وزادت أسعارها بنحو 20 مرة مقارنة بقيمتها قبل عام 2015، مما يضع أعباءً هائلة ومدمرة على الأسر المصرية ويقوض الاستقرار المجتمعي في ظل وقوف الإدارة التنفيذية موقف المتفرج العاجز.
إن التدقيق العلمي والعملي في مسار المشهد الراهن يكشف أن خطط “الإصلاح الاقتصادي” التي جرى تطبيقها جاءت بنقاط كارثية صعبة على المجتمع؛ لأنها نُفِّذت برعونة ودون وعي حقيقي بالبيئة المحيطة بها، حيث غاب عن صانع القرار أن أي إصلاح مالي أو نقدي كان يستلزم بالضرورة أن يتلازم معه إصلاح إداري شامل وموازٍ لمؤسسات الدولة. وبدلاً من ذلك، سقطت القرارات الاقتصادية في بنية مؤسسية مترهلة، ومتشبعة حتى النخاع بالفساد البيروقراطي والمحسوبية، هذا الترهل الإداري حوّل القرارات الإصلاحية إلى سياط تلهب ظهور البسطاء، بينما عجزت جهات الدولة التنفيذية عن ضبط الأسواق أو توفير أدنى درجات الحماية للمستهلك.
وارتباطاً بهذا الترهل، يعاني الجهاز الرقابي التقليدي من تضارب المصالح الممتد كإرث من عهد نظام مبارك، فحين يكون المسؤول في جهة رقابية ـ أو أحد أفراد عائلته ـ صاحب مشروع استثماري، تتحول تلك الأجهزة من حامٍ للمستهلك إلى درع يحمي مصالح المافيا التي تحرك الأسعار وتتحكم في أقوات الناس بلا رادع؛ بل إن الأجهزة الرقابية القائمة أصبحت هي نفسها أساس المشكلة وحاميها الأول، حيث توفر الغطاء للمخالفين بدلاً من ضرب أيديهم.
وفي هذا المشهد القاتم، تواجه حكومة الدكتور مصطفى مدبولي انتقادات حادة وشديدة اللذع بسبب فشلها الذريع وإدارتها الهزيلة لملف الأسواق، حيث اكتفت بالاعتماد على البيانات الاستهلاكية الجوفاء، والقرارات الورقية الحبرية التي تفتقر لأي آليات تنفيذ فعلية على أرض الواقع، مما عكس عجزاً وانفصالاً مخزياً عن معاناة المواطنين، وترك الساحة مفتوحة للحيتان والمحتكرين لنهب جيوب المواطنين دون خوف من حساب أو عقاب.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب جراحة إدارية وسياسية عاجلة تتناسب مع خطورة الوضع كقضية أمن قومي تهم كل بيت مصري، تبدأ بتفعيل قوانين حاسمة تمنع تماماً أي تداخل بين المناصب الرقابية والأنشطة الاستثمارية والتجارية، وتطهير البيروقراطية المترهلة. وبناءً على الواقع، فإن الأجهزة المدنية التقليدية لم تعد مجدية بعد أن توغلت فيها البيروقراطية والفساد، ويكمن الحل الفوري والحتمي في إسناد ملف ضبط الأسواق ومواجهة المافيا الاحتكارية إلى جهاز الأمن الوطني بشكل معلن، لما يمتلكه هذا الجهاز العريق من هيبة وموثوقية ممتدة لدى الشعب وقدرة فائقة وعزيمة لا تلين على تحقيق الردع الفوري.
إن جهاز الأمن الوطني ليس مجرد مؤسسة نظامية، بل هو شريان حيوي ممتد يحمي تفاصيل الوطن، يتواجد كعَين ساهرة وحامية في كل بيت وحارة، وفي كل نجع وقرية وشارع وحي ومدينة، ولأجل هذا التلاحم اليومي والدائم، فهو الجهاز الأقرب إلى وجود المواطن ونبضه، والأكثر دراية بآلامه والأقدر على حماية قلبه وقوته. إن رجال الأمن الوطني هم صمام الأمان الحقيقي والقادرون بحسمهم ونزاهتهم على حماية الجبهة الداخلية، وإن مجرد الإعلان عن دخولهم في هذا الملف سيكون كفيلاً بإعادة الانضباط الفوري والكامل للأسواق، لإنقاذ المواطن المطحون من مقصلة الأسعار التي تركتها حكومة مدبولي بلا رقيب أو حسيب.




