ناقوس الخطر .. ما هو مسكوت عنه

يوتوبيا العراب: من خيال الرواية إلى كابوس الواقع

في رائعته الأدبية «يوتوبيا»، دقّ فيلسوف الأدباء “العراب” الدكتور أحمد خالد توفيق، ناقوس خطرٍ محذراً من انقسام المجتمع المصري إلى عالمين متناقضين: مجتمع “إيجيبت” المنغلق على نفسه في مجمعات سكنية (كومبوندات) مخصصة لطبقة الأغنياء الذين ينعمون بكافة الخدمات ذات الخمس نجوم، ومجتمع “مصر” الخاص بالطبقة الكادحة التي تعاني أبشع ظروف العيش، ويعتبر حصولها على أبسط حقوقها الأساسية ترفاً نادر المنال.
لم يقتصر هذا الانقسام في الرواية على الجانب المادي فحسب، بل تعمق ليصبح شرخاً في الأخلاقيات والقيم المجتمعية. ظهرت أمراض اجتماعية ارتبطت بـ “اقتصاديات الرفاهية”، تجلت في انهيار الأخلاق، وانعدام القدرة على التعاطف الإنساني، والنظر إلى الأقل مقدرة باعتباره إنساناً من درجة أدنى تُستباح حقوقه وتُهدر كرامته. وفي المقابل، أفرزت “اقتصاديات الندرة” أمراضاً موازية من بلطجة، وغش، وموت للضمائر، وتدهور للكرامة الإنسانية، وسط جهل تام بحق الإنسان في العيش الكريم. كل هذا تزامن مع انسحاق تام للطبقة المتوسطة والمثقفة، والتي تُعد المحرك الأساسي لنهضة أي شعب.

كل هذا القبح صاغه قلم العراب في عام ٢٠٠٨ ليخرج في صورة أدبية متكاملة. واليوم، وبعد أقل من عشرين عاماً، نجد أنفسنا نسير بخطى حثيثة نحو تلك الـ “ديستوبيا” التي حذرنا منها.
في الأسبوع الماضي وحده، شهدنا ثلاثة مواقف كارثية أثبتت أننا نقف على أعتاب تلك الرواية:

أولاً: صدمة “هاسيندا” والتعالي الطبقي
ظهر مقطع فيديو لأحد ملاك وحدة في كمبوند “هاسيندا”، يستنكر فيه بتعالٍ فجّ وجود أبناء الطبقتين المتوسطة والكادحة داخل نطاق الكمبوند. تساءل باستنكار: *”إزاي أبقى ماشي بعربيتي ألاقي عربية إلنترا ماشية جنبي؟!”* (وهي سيارة تمثل الطبقة المتوسطة)، وأضاف: *”إزاي أبقى واقف في سوبر ماركت ألاقي واحد بيشتري بـ ٢٠ جنيه جبنة بيضاء؟!”* (وهو غالباً أحد العمال الكادحين الذين يخدمون هؤلاء “السادة”). ليختتم حديثه بطلب مستفز: *”يا ريت الناس دي تلتزم بأماكنها وتسيبلنا أماكننا”*. هذا الفيديو هو دليل قاطع على التمزق السريع في نسيج المجتمع المصري.

ثانياً: مأساة “هدير” والحماية الطبقية
حادث الشابة “هدير” -المنتمية للطبقة المتوسطة- التي أنهت حياتها سيارة تقودها مراهقة متهورة بصحبة صديقها. المأساة الحقيقية لم تكن في الحادث المروري فحسب، بل في اللامبالاة وانعدام التعاطف الإنساني في ردود أفعال المراهقَين (جودي ومروان) وعائلتيهما، الذين سارعوا للدفاع عنهما ومحاولة التنصل من المسؤولية. والأخطر من ذلك هو السلوك الذي اتبعه الشاب في محاولة حماية صديقته، وهو ما يُعرف بـ “الحماية الطبقية”؛ حيث يتكاتف أفراد المجتمع المخملي المغلق لحماية بعضهم البعض، في دلالة واضحة على انحراف أخلاقي يرى أن فرد هذه الطبقة أحق بالحماية وأرفع شأناً من دماء الطبقات الأخرى.

ثالثاً: سقطة طبيبة التجميل و”أصحاب الدم الأزرق”
تجلى هذا الانفصال في رد فعل الطبيبة “نهى صلاح”، طبيبة الجلدية التي تخدم طبقة قادرة على تحمل نفقات التجميل الباهظة، تعليقاً على أزمة #مستشفى_الشاطبي. حيث وصفت المرضى المستحقين للخدمة العلاجية المجانية من البسطاء بـ “الشحاتين”، معتبرة إياهم مجبرين على الدفع أو “الضرب بالجزمة” والرضا بما يتفضل به عليهم “أصحاب الدم الأزرق” ممن ترى نفسها منهم.
إن توالي كل هذه الأحداث في أسبوع واحد يؤكد أن الشق في جدار المجتمع يزداد عمقاً، وسنصل إن عاجلاً أو آجلاً إلى الصورة القاتمة التي رسمها الدكتور أحمد خالد توفيق، بل وربما أشد قسوة.

ولا يقتصر ناقوس الخطر على ممارسات الطبقات الأكثر ثراءً، بل يمتد بظلاله إلى الطبقات الأقل مقدرة. فقد أدى الانهيار الاقتصادي إلى انهيار موازٍ في الأخلاقيات، بدءاً من تفشي الغش والرشوة والنصب، وصولاً إلى انعدام تقدير الإنسان لذاته ولجسده. وهو ما نراه بوضوح عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث تضطر بعض النساء لعرض أجسادهن بمقابل مادي يُدفع في صورة “هدايا إلكترونية”، في استغلال بشع للفقر.
لن ننجو من هذا المصير ما لم تتدخل الدولة بإجراءات اقتصادية ذات فلسفة مختلفة، تهدف إلى تقليل الفوارق الصارخة بين الطبقات، ورفع مستوى دخل المواطن الكادح والمتوسط، بالتوازي مع مشروع قومي لإعادة غرس القيم المجتمعية والإنسانية في عقول شبابنا من مختلف الطبقات.

جلّ ما أرجوه من مقالي هذا هو أن يكون دقةً جديدة على ناقوس الخطر الذي تركه لنا العراب، لعل هذه الدقة تُسمع مَن بيده إصلاح حال هذا المجتمع.
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى