زِلْزَالُ النَّفْطِ وَالْمَالِ: الْعِرَاقُ يَشْهَدُ أَضْخَمَ حَمْلَةٍ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ فِي تَارِيخِهِ

تَعِيشُ الْعَاصِمَةُ الْعِرَاقِيَّةُ بَغْدَادُ عَلَى وَقْعِ أَحْدَاثٍ أَشْبَهَ بِمَشَاهِدِ أَفْلَامِ الْإِثَارَةِ السِّينِمَائِيَّةِ، لَكِنَّهَا حَقِيقَةٌ دَامِغَةٌ تُسَطِّرُ فُصُولَ أَضْخَمِ حَمْلَةٍ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ وَتَفْكِيكِ شَبَكَاتِ التَّهْرِيبِ فِي تَارِيخِ الْبِلَادِ الْحَدِيثِ.

هَذِهِ الْحَمْلَةُ، الَّتِي أَطَاحَتْ بِرُؤُوسٍ كَبِيرَةٍ اسْتَبَاحَتْ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ مِنْ أَمْوَالِ الشَّعْبِ الْعِرَاقِيِّ، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ قَضِيَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مِحْوَرٍ شَدِيدِ الْخُطُورَةِ فِي الصِّرَاعِ الْجِيُوسِيَاسِيِّ الْمُحْتَدِمِ فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ.

بَدَأَتِ الشَّرَارَةُ الْأُولَى مَعَ مَطْلَعِ شَهْرِ (يُونْيُو) الْجَارِي، عِنْدَمَا أَلْقَتِ الْأَجْهِزَةُ الْأَمْنِيَّةُ الْقَبْضَ عَلَى “عَدْنَانَ الْجُمَيْلِيِّ”، وَكِيلِ وِزَارَةِ النَّفْطِ لِشُؤُونِ التَّصْفِيَةِ وَالْمَسْؤُولِ السَّابِقِ عَنْ مَصَافِي الشَّمَالِ وَبِيجِي، بِتُهَمِ فَسَادٍ فِي مُحَافَظَةِ صَلَاحِ الدِّينِ.


فِي الْبِدَايَةِ، ظَنَّ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ أَمَامَ قَضِيَّةِ فَسَادٍ إِدَارِيٍّ تَقْلِيدِيَّةٍ، لَكِنَّ الِاعْتِرَافَاتِ الصَّادِمَةَ الَّتِي أَدْلَى بِهَا “الْجُمَيْلِيُّ” فَتَحَتْ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ عَلَى شَبَكَةٍ عَنْكَبُوتِيَّةٍ مُرْعِبَةٍ.
قَادَتِ الِاعْتِرَافَاتُ إِلَى مُدَاهَمَاتٍ فَوْرِيَّةٍ كَشَفَتْ عَنْ ثَرَاءٍ فَاحِشٍ؛ إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتَّهَمَ يَمْتَلِكُ وَحْدَهُ أُسْطُولًا مِنَ السَّيَّارَاتِ الْفَارِهَةِ، وَأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ عَقَارًا وَمَزْرَعَةً.
وَمَا كَانَ خَفِيًّا كَانَ أَعْظَمَ؛ فَقَدِ اضْطُرَّتْ قُوَّاتُ الْأَمْنِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْجَرَّافَاتِ وَالْآلِيَّاتِ الثَّقِيلَةِ لِلْحَفْرِ بِعُمْقِ أَرْبَعَةِ أَمْتَارٍ تَحْتَ أَرْضِ تِلْكَ الْمَزَارِعِ، لِتَسْتَخْرِجَ أَكْيَاسًا ضَخْمَةً مَمْلُوءَةً بِالْمَلَايِينِ مِنَ الدُّولَارَاتِ الْمَدْفُونَةِ فِي التُّرْبَةِ. وَأَعْلَنَ الْقَضَاءُ الْعِرَاقِيُّ رَسْمِيًّا عَنْ ضَبْطِ ثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِينَ مِلْيَارَ دِينَارٍ عِرَاقِيٍّ (نَحْوَ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ مِلْيُونَ دُولَارٍ)، إِضَافَةً إِلَى أَحَدَ عَشَرَ مِلْيُونَ دُولَارٍ نَقْدًا، لِيَتَجَاوَزَ إِجْمَالِيُّ الْمَبَالِغِ السَّائِلَةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الْبَاطِنِ سِتَّةً وَثَمَانِينَ مِلْيُونَ دُولَارٍ، نَاهِيكَ عَنِ الذَّهَبِ وَالْأَسْلِحَةِ.
لَمْ تَتَوَقَّفِ الْهَزَّةُ الِارْتِدَادِيَّةُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؛ فَقَدْ أَقَرَّ “الْجُمَيْلِيُّ” بِوُجُودِ قَائِمَةٍ تَضُمُّ مِئَةً وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ مَسْؤُولًا حُكُومِيًّا، بَيْنَهُمْ نُوَّابٌ فِي الْبَرْلَمَانِ وَوُكَلَاءُ وِزَارَاتٍ، وَتُشِيرُ التَّسْرِيبَاتُ إِلَى أَنَّ الْقَائِمَةَ الْكَامِلَةَ قَدْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ نَحْوَ أَلْفِ مَسْؤُولٍ مِنْ دَرَجَةِ مُدِيرٍ عَامٍّ فَمَا فَوْقُ، جَمِيعُهُمْ اعْتَمَدُوا ذَاتَ الْأُسْلُوبِ بِدَفْنِ الْأَمْوَالِ تَمْهِيدًا لِتَهْرِيبِهَا خَارِجَ الْبِلَادِ.
وَعَلَى الْفَوْرِ، تَحَرَّكَتِ السُّلُطَاتُ لِرَفْعِ الْحِصَانَةِ النِّيَابِيَّةِ عَنِ النُّوَّابِ الْمُتَوَرِّطِينَ، لِتُسْفِرَ الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى عَنِ اعْتِقَالِ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَخْصِيَّةً مِنْ عَمَالِقَةِ الْمَشْهَدِ السِّيَاسِيِّ وَالنِّيَابِيِّ (مِنْ بَيْنِهِمْ: مُثَنَّى السَّامَرَّائِيُّ، عَالِيَةُ نَصِيفٍ، زِيَادٌ الْجَنَابِيُّ، بَهَاءُ النُّورِيُّ، مُحَمَّدٌ الْكَرْبُولِيُّ، عَلِيُّ مَعَارِجَ، وَإِبْرَاهِيمُ الصُّمَيْدَعِيُّ).
وَيُوَاجِهُ هَؤُلَاءِ تُهَمًا ثَقِيلَةً تَتَعَلَّقُ بِهَدْرِ أَمْوَالِ الدَّوْلَةِ، غَسِيلِ الْأَمْوَالِ، تَهْرِيبِ النَّفْطِ، وَتَمْوِيلِ أَنْشِطَةٍ مُسَلَّحَةٍ، فِيمَا صَدَرَتْ قَرَارَاتٌ رَسْمِيَّةٌ بِمَنْعِ مِئَاتِ الْمَسْؤُولِينَ مِنَ السَّفَرِ تَمْهِيدًا لِتَوَسُّعِ التَّحْقِيقَاتِ.
إِنَّ عُمْقَ هَذِهِ الْحَمْلَةِ يَتَجَاوَزُ مَفْهُومَ التَّطْهِيرِ الدَّاخِلِيِّ لِيَمَسَّ عَصَبَ النُّفُوذِ الْإِقْلِيمِيِّ وَالدَّوْلِيِّ فِي الْعِرَاقِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ رَئِيسَةٍ:
• أَوَّلًا: لَعْنَةُ الْعُقُوبَاتِ الْأَمْرِيكِيَّةِ: بَيْنَ أَبْرَزِ الْمُعْتَقَلِينَ يَبْرُزُ اسْمُ “عَلِيِّ مَعَارِجَ الْبَهَادِلِيِّ”، وَكِيلِ وِزَارَةِ النَّفْطِ لِشُؤُونِ التَّوْزِيعِ، وَالَّذِي أَدْرَجَتْهُ وِزَارَةُ الْخِزَانَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ مُؤَخَّرًا عَلَى قَائِمَةِ الْعُقُوبَاتِ بِتُهْمَةِ اسْتِغْلَالِ مَنْصِبِهِ لِتَسْهِيلِ بَيْعِ النَّفْطِ الْعِرَاقِيِّ لِصَالِحِ شَبَكَاتِ تَهْرِيبٍ مُرْتَبِطَةٍ بِطَهْرَانَ.
• ثَانِيًا: تَجْفِيفُ مَنَابِعِ التَّمْوِيلِ: تُشِيرُ قِرَاءَاتُ الْمُحَلِّلِينَ إِلَى أَنَّ الْحَمْلَةَ تَحْظَى بِدَعْمٍ أَمْرِيكِيٍّ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، يَسْتَهْدِفُ شَلَّ حَرَكَةِ الْفَصَائِلِ الْمُسَلَّحَةِ وَتَجْفِيفَ مَنَابِعِ التَّمْوِيلِ الَّتِي تُغَذِّي أَطْرَافًا إِقْلِيمِيَّةً، فِي حِينِ تَتَقَاطَعُ الشَّبَكَاتُ الْمُكْتَشَفَةُ مَعَ مَصَالِحَ دَوْلِيَّةٍ وَإِقْلِيمِيَّةٍ أُخْرَى تَشْمَلُ تُرْكِيَا وَبَعْضَ دُوَلِ الْخَلِيجِ.
• ثَالِثًا: حَرَكَةُ حَجَرِ النَّرْدِ الْإِقْلِيمِيِّ: تَأْتِي زِيَارَةُ وَزِيرِ الْخَارِجِيَّةِ الْإِيرَانِيِّ “عَبَّاسٍ عَرَاقْجِي” إِلَى بَغْدَادَ لِتَضَعَ عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ كَبِيرَةً؛ حَيْثُ يَرَى مُرَاقِبُونَ أَنَّ طَهْرَانَ نَفْسَهَا تَرْفُضُ هَذِهِ الشَّبَكَاتِ الْفَاسِدَةَ الَّتِي تَخْرُجُ عَنْ سَيْطَرَتِهَا.
عِنْدَ جَمْعِ قِطَعِ هَذِهِ اللَّوْحَةِ الْمُعَقَّدَةِ؛ بَيْنَ الضَّغْطِ الْأَمْرِيكِيِّ الْمُتَصَاعِدِ، وَمِلَفَّاتِ الطَّاقَةِ السَّاخِنَةِ، وَالتَّحَرُّكَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ فِي دُوَلِ الْجِوَارِ، يَتَّضِحُ أَنَّ الْعِرَاقَ يُعِيدُ رَسْمَ حُدُودِ نُفُوذِهِ الدَّاخِلِيِّ، وَأَنَّ حَرْبَ الْأَوْنَاشِ وَالْجَرَّافَاتِ ضِدَّ “دُولَارَاتِ تَحْتِ الْأَرْضِ” لَيْسَتْ سِوَى رَأْسِ جَبَلِ الْجَلِيدِ فِي لُعْبَةِ أُمَمٍ كُبْرَى تُدَارُ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى