مَلْحَمَةُ الفَرَاعِنَةِ وَمُؤَامَرَةُ “الفِيفَا”: عِنْدَمَا تَغْتَالُ الرَّأْسِمَالِيَّةُ عَرَقَ الرِّجَالِ
فِي لَيْلَةٍ سَتَبْقَى مَحْفُورَةً فِي سِجِلَّاتِ التَّارِيخِ، قَدَّمَ الْمُنْتَخَبُ الْمِصْرِيُّ مَلْحَمَةً كُرَوِيَّةً بَاذِخَةً، سَكَبَ فِيهَا اللَّاعِبُونَ الْعَرَقَ وَالدُّمُوعَ، وَجَسَّدُوا صُوَرَ الْإِصْرَارِ النَّابِعِ مِنْ عُمْقِ الْحَضَارَةِ عَلَى أَرْضِيَّةِ الْمَلْعَبِ.
لَقَدْ سَطَّرَ الْفَرَاعِنَةُ مُشَارَكَةً تَارِيخِيَّةً اسْتِثْنَائِيَّةً لِلْكُرَةِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، شَهِدَ بِبَرَاعَتِهَا الْقَاصِي وَالدَّانِي، وَأَثْبَتُوا بِلُغَةِ الْمَنْطِقِ وَالْفَنِّ الْكُرَوِيِّ أَنَّهُمْ الْأَحَقُّ وَالْأَجْدَرُ بِتَبَوُّءِ مَقْعَدٍ بَيْنَ الثَّمَانِيَةِ الْكِبَارِ فِي الْعَالَمِ.
لَكِنَّ كُرَةَ القَدَمِ اليَوْمَ لَمْ تَعُدْ تُحْكَمُ بِأَقْدَامِ المَوْهُوبِينَ وَحْدَهَا؛ بَلْ بَاتَتْ تَفْتَقِرُ إِلَى نَزَاهَةِ الصَّافِرَةِ، وَتُعَانِي مِنْ أَزْمَةِ ضَمِيرٍ حَادَّةٍ فِي مُنْعَطَفَاتِهَا الحَرِجَةِ. لَقَدْ أَصْبَحَ مِنَ المَعْتَادِ أَنْ تُسَاقَ النَّتَائِجُ نَحْوَ سِينَارْيُوهَاتٍ مَحْبُوكَةٍ، وَمَصَالِحَ ضَخْمَةٍ تُطْبَخُ فِي الغُرَفِ المُغْلَقَةِ، حَيْثُ يُمَهَّدُ الطَّرِيقُ لِمَنْ تَقْتَضِي الِاسْتِثْمَارَاتُ عُبُورَهُمْ، بَعِيدًا عَنْ عَدَالَةِ التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ مَشَاعِرَ الجَمَاهِيرِ المِصْرِيَّةِ اليَوْمَ لَا تَعْرِفُ النَّدَمَ؛ فَالخُرُوجُ بِشَرَفٍ هُوَ قِمَّةُ الكِبْرِيَاءِ.
لَكِنَّ الغُصَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَعْتَصِرُ القُلُوبَ هِيَ “عَلَى حُزْنِ اللَّاعِبِينَ أَنْفُسِهِمْ”. كَانَ كُلُّ أَمَلِنَا أَنْ تَذُوقُوا طَعْمَ الفَرْحَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّونَهَا، وَأَنْ تَجْنُوا ثِمَارَ جُهْدِكُمُ الخُرَافِيِّ. كُنَّا نُرِيدُ لِدُمُوعِ التَّعَبِ أَنْ تَنْقَلِبَ فَرَحًا، لَكِنَّ عَدَالَةَ الأَرْضِ الغَائِبَةَ أَبَتْ إِلَّا أَنْ تَسْلُبَكُمُ الحَقَّ.
إِلَى كُلِّ بَطَلٍ ارْتَدَى قَمِيصَ مِصْرَ: كَفْكِفُوا دُمُوعَكُمْ، وَضَمِّدُوا جِرَاحَكُمْ، وَاخْرُجُوا إِلَى العَالَمِ بِصُدُورٍ مَشْدُودَةٍ وَقَامَاتٍ مُنْتَصِبَةٍ. اِرْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ عَالِيًا، فَأَنْتُمْ مِصْرِيُّونَ! لَقَدْ رَبِحْتُمُ احْتِرَامَ الكَوْنِ، وَكَشَفْتُمْ بِإِصْرَارِكُمْ عَوْرَاتِ مَنْظُومَةٍ عَاجِزَةٍ عَنِ العَدْلِ.
وَلِمَنْ يُرِيدُ فَهْمَ أَبْعَادِ هَذِهِ الْمَهْزَلَةِ التَّارِيخِيَّةِ، مَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَأَمَّلَ ثَلَاثَةَ مَشَاهِدَ فَرِيدَةٍ رَصَدَتْهَا الْعَدَسَاتُ.
● ذُعْرُ المَنْظُومَةِ المَالِيَّةِ وَمِلْيَارَاتُ الدُّولَارَاتِ..
تَجَلَّى المَشْهَدُ الأَوَّلُ فِي مَلَامِحِ “جِيَانِي إِنْفَانْتِينُو”، رَئِيسِ الِاتِّحَادِ الدَّوَلِيِّ لِكُرَةِ القَدَمِ (فِيفَا)، وَهُوَ فِي المَدَرَّجَاتِ عَقِبَ تَسْجِيلِ المُنْتَخَبِ المِصْرِيِّ لِلْهَدَفِ الثَّانِي (وَالَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثَ لَوْلَا تَعَنُّتُ التَّحْكِيمِ بِإِلْغَاءِ هَدَفٍ شَرْعِيٍّ). تِلْكَ النَّظْرَةُ لَمْ تَكُنْ رِيَاضِيَّةً أَبَداً، بَلْ كَانَتْ صَدْمَةَ رَجُلٍ يَرَى مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ، وَعُقُودَ الرِّعَايَةِ، وَالعَائِدَاتِ الإِعْلَانِيَّةَ تَتَبَخَّرُ لَوْ خَرَجَ حَامِلُ اللَّقَبِ، وَمَعَهُ “مِيسِي” الَّذِي جِيءَ بِهِ إِلَى الدَّوْرِيِّ الأَمْرِيكِيِّ بِصَفَقَاتٍ فَلَكِيَّةٍ خِصِّيصاً لِتَسْوِيقِ هَذِهِ الحِقْبَةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ.

● شِعَارُ “لَا لِلْعُنْصُرِيَّةِ” وَالتَّكْمِيمُ التَّحْكِيمِيُّ..
فِي المَشْهَدِ الثَّانِي، ظَهَرَ العَمِيدُ “حُسَامُ حَسَنٍ” رَافِعًا يَدَيْهِ بِعَلَامَةِ (X). وَهَذِهِ الحَرَكَةُ هِيَ الشِّعَارُ الرَّسْمِيُّ الَّذِي أَقَرَّهُ (الفِيفَا) مُؤَخَّرًا تَحْتَ عُنْوَانِ “لَا لِلْعُنْصُرِيَّةِ وَالتَّمْيِيزِ”، حَيْثُ يَحِقُّ لِلْمُتَضَرِّرِ رَفْعُهَا عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِظُلْمٍ صَارِخٍ. لَكِنَّ الحَكَمَ الفَرَنْسِيَّ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِلِاحْتِجَاجِ المَشْرُوعِ بَعْدَ رَفْضِهِ العَوْدَةَ إِلَى تِقْنِيَّةِ الفِيدْيُو (VAR) فِي لَقْطَةِ عَرْقَلَةِ النَّجْمِ “مُحَمَّد صَلَاح” -وَالَّتِي جَاءَ مِنْهَا الهَدَفُ الأَرْجَنْتِينِيُّ الثَّالِثُ- أَشْهَرَ البِطَاقَاتِ الصَّفْرَاءَ فِي وَجْهِ الجِهَازِ الفَنِّيِّ لِتَكْمِيمِ الأَفْوَاهِ وَمُصَادَرَةِ الحَقِّ.
● الِاسْتِفْزَازُ السِّيَاسِيُّ وَعِزَّةُ العَلَمِ..
المَشْهَدُ الثَّالِثُ، وَالأَشَدُّ وَقَاحَةً، كَانَ رَفْعَ أَحَدِ المُشَجِّعِينَ لِعَلَمِ الكِيَانِ الصِّهْيَوْنِيِّ فِي وَجْهِ الجِهَازِ الفَنِّيِّ المِصْرِيِّ أَثْنَاءَ خُرُوجِهِمْ. وَهُنَا تَجَلَّتْ وَطَنِيَّةُ المُدِيرِ الفَنِّيِّ الكَابْتِن حُسَام حَسَن، الَّذِي رَدَّ بِكُلِّ أَنَفَةٍ وَعِزَّةٍ مُشِيراً إِلَى عَلَمِ مِصْرَ الغَالِي.
هَذَا المَوْقِفُ يَضَعُ كُلَّ مَنْ شَجَّعَ الخَصْمَ نِكَايَةً فِي مُنْتَخَبِ بِلَادِهِ، أَوْ هَوَساً بِالنُّجُومِيَّةِ الزَّائِفَةِ، أَمَامَ مِرْآةِ الحَقِيقَةِ؛ لِيَرَى نَفْسَهُ وَاقِفاً -دُونَ أَنْ يَدْرِيَ- فِي صَفِّ مَنْ يُعَادُونَ هُوِيَّتَهُ وَأُمَّتَهُ.
إِنَّ الغَضَبَ العَارِمَ الَّذِي يَجْتَاحُ مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ عَالَمِيّاً، وَاعْتِرَافَ قِطَاعٍ كَبِيرٍ مِنْ جَمَاهِيرِ الأَرْجَنْتِينِ نَفْسِهَا بِأَنَّ الفَوْزَ كَانَ “هَدِيَّةً تَحْكِيمِيَّةً”، يُؤَكِّدَانِ أَنَّ العَدَالَةَ قُدِّمَتْ قُرْبَاناً لِأَغْرَاضٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ.
لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا مِنَ الْحَكَمِ الْفَرَنْسِيِّ ارْتِكَابُ أَخْطَاءٍ فَجَّةٍ مَكْشُوفَةٍ طَوَالَ التِّسْعِينَ دَقِيقَةً، بَلْ كَانَتْ مُهِمَّتُهُ الْخَبِيثَةُ هِيَ الْإِحْبَاطَ النَّفْسِيَّ لِلَّاعِبِينَ؛ عَبْرَ:
• احْتِسَابِ أَخْطَاءٍ وَهْمِيَّةٍ مُتَتَالِيَةٍ ضَدَّ مِصْرَ.
• التَّغَاضِي عَنِ الخُشُونَةِ المُفْرِطَةِ ضَدَّ نُجُومِنَا.
• تَوْزِيعِ الإِنْذَارَاتِ المَجَّانِيَّةِ لإِرْهَابِهِمْ.
• تَتْوِيجِ كُلِّ ذَلِكَ بِرَفْضِ مُرَاجَعَةِ (VAR) فِي لَقْطَةِ هَدَفِ الفَوْزِ الأَرْجَنْتِينِيِّ.
لَقَدْ بَاتَ وَاضِحًا أَنَّ النَّجْمَ الْأَرْجَنْتِينِيَّ هُوَ الدَّجَاجَةُ الَّتِي تَبِيضُ ذَهَبًا لِلتَّسْوِيقِ فِي هَذِهِ الْحِقْبَةِ، خُصُوصًا مَعَ تَنْظِيمِ الْبُطُولَةِ فِي أَمْرِيكَا، حَيْثُ الْكُرَةُ هِيَ اسْتِثْمَارٌ تِجَارِيٌّ بَحْتٌ. خُرُوجُهُ كَانَ يَعْنِي كَارِثَةً مَالِيَّةً لِأَصْحَابِ النُّفُوذِ، فَجِيءَ بِالتَّأْهِيلِ الْمَشْبُوهِ عَنْوَةً وَتَحْتَ أَيِّ ظَرْفٍ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: خَرَجْنَا مَرْفُوعِي الرَّأْسِ، بِجِيلٍ وَاعِدٍ فَرَضَ احْتِرَامَهُ عَلَى الْمُنَظَّمَةِ بِأَكْمَلِهَا. فَالصَّنَادِيدُ لَا تَكْسِرُهُمْ جَوْلَةٌ خَسِرُوهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ تَصْنَعُ مِنْهُمْ أَبْطَالَ الْغَدِ الَّذِينَ سَيَعُودُونَ لِانْتِزَاعِ حَقِّهِمْ بِقُوَّتِهِمْ، وَرَغْمًا عَنْ أَنْفِ الْمَنْظُومَةِ الْفَاسِدَةِ.




