الهام فايد تكتب.. القاهرة وصوت العقل في زمن التصعيد ضد ايران

تشهد منطقة الشرق الاوسط مرحلة شديدة الحساسية في ضوء التصعيد الاخير بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى، وهو تصعيد يعكس تحولا في طبيعة الصراع من مواجهة غير مباشرة وعمليات محدودة الى انخراط اكثر وضوحا وجرأة في استهداف القدرات العسكرية والاستراتيجية الايرانية، هذا التطور لا يمكن فصله عن سياق ممتد من التوتر المرتبط بالبرنامج النووي الايراني، وبشبكة التحالفات الاقليمية التي نسجتها طهران خلال السنوات الماضية، كما لا يمكن عزله عن التحولات في بنية النظام الاقليمي ذاته.
الصراع في جوهره ليس عسكريا فقط، بل هو صراع على موازين القوة والنفوذ في الاقليم، فواشنطن ترى في تنامي القدرات الايرانية، خاصة الصاروخية والنووية، تهديدا مباشرا لحلفائها ولمعادلة الردع التي سعت الى ترسيخها منذ عقود. اما اسرائيل فتنظر الى ايران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الاول لامنها القومي، وترى ان منع طهران من امتلاك قدرة نووية عسكرية يمثل مسألة وجودية لا تقبل التأجيل، ومن ثم جاء التصعيد الاخير في اطار محاولة لفرض معادلة ردع جديدة، تقوم على توجيه ضربات مؤثرة تقلص قدرة ايران على المناورة او فرض وقائع ميدانية جديدة.
في المقابل، تتعامل ايران مع هذه الضربات باعتبارها استهدافا مباشرا لسيادتها ومكانتها الاقليمية، وهو ما يفسر لجوءها الى الرد عبر ادوات متعددة، سواء بشكل مباشر او عبر ساحات اخرى في الاقليم، وتستند طهران في استراتيجيتها الى مزيج من الردع غير المتكافئ، وتوظيف الجغرافيا، والضغط على المصالح الامريكية وحلفائها في المنطقة، في رسالة مفادها ان اي استهداف لعمقها الاستراتيجي ستكون له كلفة واسعة.
دول الخليج تجد نفسها في قلب هذه المعادلة المعقدة. فمن ناحية، ترتبط بعض هذه الدول بشراكات امنية وثيقة مع الولايات المتحدة، وتستضيف قواعد عسكرية غربية، ما يجعلها جزءا من الحسابات الاستراتيجية للصراع، ومن ناحية اخرى، تدرك هذه الدول ان اي مواجهة مفتوحة مع ايران ستنعكس مباشرة على امنها الداخلي واستقرارها الاقتصادي، خاصة في ظل حساسية منشآت الطاقة وخطوط الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، لذلك تتبنى العواصم الخليجية مقاربة حذرة، تسعى من خلالها الى تعزيز قدراتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق الى حرب شاملة قد تعصف بمكتسبات التنمية والاستقرار.
اقتصاديا، يحمل التصعيد مخاطر واضحة على اسواق الطاقة العالمية، اذ ان اي تهديد لحركة تصدير النفط والغاز من الخليج يمكن ان يؤدي الى ارتفاعات حادة في الاسعار، ويزيد من الضغوط التضخمية عالميا، كما ان حالة عدم اليقين تؤثر سلبا على الاستثمارات وحركة التجارة، وهو ما يضع المنطقة امام اختبار صعب بين متطلبات الامن وضرورات التنمية.
في هذا السياق، يبرز الموقف المصري بوصفه موقفا داعيا الى التهدئة وضبط النفس، فالقاهرة تنطلق من ثوابت راسخة في سياستها الخارجية تقوم على رفض توسيع دوائر الصراع، والحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية، وصون الامن القومي العربي باعتباره كلا متكاملا لا يتجزأ، ومن ثم تؤكد مصر في بياناتها الرسمية على ضرورة العودة الى المسار الدبلوماسي، وتغليب لغة الحوار على منطق القوة، انطلاقا من قناعة بان الحروب في المنطقة لم تجلب سوى مزيد من التفكك والاستنزاف.
كما تدرك مصر ان استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من امنها القومي، بحكم الروابط الاستراتيجية والاقتصادية والامتداد الجغرافي، ولذلك تحرص القاهرة على التنسيق المستمر مع الدول العربية، ودعم اي مبادرات اقليمية او دولية من شأنها خفض التصعيد واحتواء التوتر، وفي الوقت ذاته، تؤكد على حق الدول في حماية امنها وسيادتها، شريطة ان يتم ذلك في اطار احترام القانون الدولي وعدم الانجرار الى مواجهات مفتوحة غير محسوبة العواقب.
ان المشهد الراهن يكشف ان المنطقة تقف امام مفترق طرق حقيقي، فاما ان يستمر التصعيد بما يحمله من مخاطر اتساع رقعة المواجهة، واما ان تنجح الجهود السياسية في احتواء الازمة وفتح نافذة لتفاهمات جديدة تعيد ضبط قواعد الاشتباك. وفي الحالتين، يبقى واضحا ان استقرار الشرق الاوسط لن يتحقق عبر منطق الغلبة، بل عبر تسويات متوازنة تراعي مصالح جميع الاطراف وتحفظ للدول سيادتها وامنها، وهنا يظل الصوت الداعي الى التعقل والحوار، الذي تتبناه مصر، ضرورة استراتيجية لا غنى عنها في لحظة اقليمية بالغة التعقيد.




