“مصر عمقٌ لا يُختزل ، وتاريخٌ لا تُحيط به رواية”

فى زمن تتسارع فيه منصّات التعبير وتختلط فيه الآراء بالإنفعالات ، يطفو بين الحين والآخر خطاب يحاول النيل من مكانة مصر ، مستندًا إلى سرديات مبتورة ، أو قراءات انتقائية للتاريخ ، أو إلى منطق اختزالى يُحوّل العلاقات بين الدول إلى معادلات مالية جامدة.
ومن بين هذه الأصوات، يبرز اسم “فؤاد الهاشم”، وغيره ممن يطرحون روايات تُغفل من التاريخ أكثر مما تُظهر ، وتُحمّل الواقع ما لا يحتمل.
غير أن الرد على مثل هذه الطروحات لا يكون بالإنفعال أو التراشق ، بل بإعادة الأمور إلى سياقها الصحيح ، حيث تُقاس الدول بأدوارها ، وتُفهم العلاقات بعمقها التاريخى ، لا بسطحيتها الآنية.

أولًا: مصر والدور الذى لا يُختزل
مصر ليست دولة طارئة فى الإقليم ، ولا كيانًا نشأ على هامش الأحداث ، بل هى مركز ثقل حضارى وسياسى امتد لآلاف السنين.
وفى العصر الحديث ، كانت فى قلب القضايا العربية ، من دعم حركات التحرر إلى حماية الأمن القومى العربى ، إلى لعب أدوار الوساطة فى أكثر الملفات تعقيدًا.
هذا الدور لم يكن يوماً مشروطاً بعائد ، ولا مرهونًا بحسابات الربح والخسارة.

ثانياً: الكويت ومصر … تاريخ من التداخل لا التفضّل
حين نعود إلى التاريخ ، نجد أن مصر كانت من أوائل الدول التى دعمت استقلال الكويت ، وساندت سيادتها سياسياً ودبلوماسياً.
وعندما اجتاحت القوات العراقية الكويت فى غزو الكويت ، لم تكتفِ مصر بالمواقف السياسية ، بل شاركت عسكرياً فى تحريرها ضمن التحالف الدولى خلال حرب الخليج الثانية ، وقدّمت تضحيات حقيقية على الأرض.
وفى المقابل ، حين اضطر آلاف الكويتيين إلى مغادرة بلادهم خلال تلك الأزمة ، كانت مصر واحدة من الدول التى فتحت أبوابها لإستقبالهم ، شعباً ومؤسسات ، دون ضجيج أو استعراض.
وهنا تحديداً يصبح من المؤلم أن يتجاهل بعض الكُتّاب ومنهم من عاش هذه التجربة بنفسه هذه الصفحات”فؤاد الهاشم” ، أو يعيد تقديم العلاقة وكأنها قائمة فقط على “فضل أحادى الاتجاه”.

ثالثاً: بين الدعم والتكامل .. الفارق الجوهرى
لا يمكن إنكار أن دول الخليج ومن بينها الكويت ، قدّمت دعمًا اقتصادياً لمصر فى محطات مختلفة ، وهذا أمر يُقدَّر ولا يُنكر.
لكن الإشكال لا يكمن فى الدعم ذاته ، بل فى توظيفه كأداة للإنتقاص أو كذريعة لإدعاء التفوّق.
فالعلاقات بين مصر ودول الخليج لم تكن يوماً علاقة “مانح ومتلقٍ” بالمعنى الضيق، بل علاقة تكامل:
مصر قدّمت خبراتها البشرية فى التعليم والطب والهندسة ، وأسهمت فى بناء مؤسسات حديثة فى دول الخليج.
ودول الخليج استثمرت فى الإقتصاد المصريدى ، وحققت من ذلك عوائد ملموسة.
بمعنى آخر نحن أمام شبكة مصالح متبادلة ، لا معادلة إحسان من طرف واحد.

رابعاً: خطورة السردية المختزلة
إن اختزال دولة بحجم مصر فى حاجتها إلى دعم مالى ، هو تبسيط مخلّ لا يسيء إلى مصر بقدر ما يكشف محدودية الطرح ذاته.
فالدول لا تُقاس فقط بميزانياتها ، بل بثقلها الإستراتيجى ، وتأثيرها السياسى ، وقدرتها على الصمود وإعادة البناء.
ومصر التى واجهت عبر تاريخها أزمات وحروبًا وتحديات داخلية لم تسقط ، ولم تختفِ ، بل أعادت تشكيل نفسها فى كل مرة.
وهذا بحد ذاته كفيل بتفنيد أى ادعاء بأنها كيان هش يعتمد على غيره للبقاء.

خامساً: حين يتحول النقد إلى إساءة
النقد حق مشروع ، بل هو ضرورة لأى مجتمع حى.
لكن حين يتحول إلى خطاب ممنهج يفتقر إلى التوازن ، ويتجاهل الوقائع ، ويستند إلى لغة استعلائية ، فإنه يفقد قيمته ، ويتحوّل إلى أداة لتأجيج الفرقة بدلًا من تعزيز الفهم.

ختاماً
إن مصر بتاريخها ودورها ، لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى من يقرأها بإنصاف.
والعلاقات المصرية الخليجية ، وفي القلب منها العلاقة مع الكويت ، أكبر من أن تُختزل فى مقالات عابرة أو تصريحات انفعالية.
أما الذين يصرّون على إعادة صياغة هذه العلاقات بمنطق “الفضل” و”الامتنان الدائم”، فربما يكون من الأجدر بهم أن يعيدوا قراءة التاريخ كاملًا ، لا فصولًا منتقاة منه.
لأن الحقيقة ببساطة أن ما جمع مصر وأشقّاءها لم يكن يوماً مالًا فقط ، بل كان ولا يزال مصيراً مشتركًا لا يقبل القسمة أو الإختزال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!