​طه طنطاوي.. ضميرٌ وطنيٌ لا يشيخ في مدرسة النضال المصري

يُمثل الدكتور طه عبد الجواد طنطاوي نموذجاً فريداً للمناضل الوطني الذي تماهت حياته مع تاريخ مصر المعاصر، في رحلة طويلة لم تعرف الكلل، بدأت مع بزوغ فجر الثورة وتستمر فصولها حتى يومنا هذا. ولد طنطاوي في محافظة القليوبية بالتزامن مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ليفتح عينيه على عالم يتشكل من جديد، وسرعان ما تشرّب قيم الاستقلال الوطني، ليتحول من طالب في المرحلة الثانوية يخرج في أولى تظاهراته نصرةً للزعيم الأفريقي باتريس لومومبا عام 1960، إلى رمز سياسي وفكري يشار إليه بالبنان.

لم تكن محطات طنطاوي الجامعية في هندسة وتجارة جامعة القاهرة مجرد سنوات دراسية، بل كانت معقلاً للنشاط الطليعي، حيث أسس “جماعة الفكرة” وشارك في بواكير معسكرات منظمة الشباب الاشتراكي، ليحفر اسمه وسط قامات فكرية وسياسية كبرى. وبعد عقد من العمل والاغتراب في المملكة العربية السعودية منذ عام 1973، عاد ليقود معارك سياسية وفكرية داخل حزب التجمع، جنباً إلى جنب مع الراحل خالد محيي الدين، قبل أن يساهم في تأسيس “جماعة التغيير” التي سعت لضخ دماء جديدة في شرايين العمل الحزبي.

ومع اندلاع ثورة يناير، كان طنطاوي في طليعة المؤسسين لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، ليتحمل مسؤوليات جسيمة في مكتبه السياسي ولجنته المركزية، فضلاً عن إشرافه على صياغة الرؤى التثقيفية للحزب. ولم تتوقف إسهاماته عند حدود العمل التنظيمي، بل امتدت لتشمل إدارة حملات انتخابية رئاسية ودعماً للقوى الوطنية، وصولاً إلى عضويته البارزة في اللجنة الاستشارية لحملة “تيار الأمل” بقيادة أحمد طنطاوي، مدفوعاً بإيمان عميق بضرورة التغيير الديمقراطي.

ولأن طنطاوي يؤمن بأن السياسة وعيٌ لا يكتمل إلا بالعلم، فقد اختار أن يكسر حواجز العمر، حاصلاً على درجة الدكتوراة، ليثبت أن شعلة الشباب في روحه لا تخبو. ولم يكتفِ بالتنظير، بل أثرى المكتبة العربية بدراسات جادة، توجها بكتابه المتميز عن “فرانز فانون والثورة الجزائرية”، الذي نال عنه جائزة مركز الدراسات العربية والأفريقية، تجسيداً لرؤيته كباحث متخصص في الشأن الأفريقي ومحللٍ فذٍ للفكر الثوري.

إن سيرة الدكتور طه طنطاوي ليست مجرد سرد لمناصب أو محطات حزبية، بل هي سيرة إنسان آمن بأن العدالة الاجتماعية والوعي السياسي هما السبيل الوحيد لنهضة الأمم. لقد عاش أحلام الانتصارات وانكسارات الزمن، لكنه ظل محافظاً على بوصلته، مكرساً حياته ليكون معلماً ومناضلاً، ومؤمناً راسخاً بأن القلم والعمل الميداني هما السلاح الأبقى في معركة بناء الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!