التأقلم الخطير

في الظروف العادية، يُنظر إلى التأقلم باعتباره قدرة على النجاة، وعلامة على المرونة، ودليلًا على أن الإنسان يستطيع أن يستمر رغم الضغوط، لكن هذه الفكرة تفقد معناها حين يتحول التأقلم من استجابة مؤقتة إلى حالة دائمة، ويفقد دوره كوسيلة لعبور الأزمة ليصبح أسلوبًا للعيش داخلها، لأن المجتمع في هذه اللحظة لا يكون قد تجاوز أزماته، بل يكون قد أعاد تعريفها باعتبارها وضعًا طبيعيًا يجب احتماله.
المشكلة ليست في وجود الأزمات، بل في توقف السؤال، حين لا يُطرح من الأساس، ليس لأن الإجابة واضحة، بل لأن الإحساس بجدوى السؤال تراجع، وحين يتحول غير الطبيعي إلى أمر عادي لا يُناقش ولا يُرفض، بل يُدار يوميًا باعتباره جزءًا ثابتًا من الحياة.
ما يحدث الآن واضح؛ الغلاء أصبح نقطة البداية لأي حساب، لا الأزمة، وكل قرار اقتصادي جديد يُستقبل بمحاولة تحمّله لا بمناقشته، والضغط أصبح الخلفية الدائمة للحياة، والناس لم تعد تنتظر تحسنًا، بل تحاول فقط تجنب مزيد من التراجع، وهي نقلة لا تعكس فقط صعوبة في المعيشة، بل تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين المواطن والحكومة، من علاقة تقوم على التفاعل، إلى علاقة تقوم على الاحتمال.
هذا التحول سياسي بالأساس، لأن القرارات التي تمسّ حياة الناس تُتخذ وتُمرر دون مسارات واضحة للفهم أو النقاش، وحين لا يفهم المواطن القرار، ولا يرى وسيلة للتأثير فيه، لا يتوقف عن التفكير، بل يتوقف عن السؤال، ومع تكرار هذه الحالة يتحول ذلك إلى نمط عام، لا يعكس قبولًا، بل يعكس انسحابًا هادئًا من المجال العام.
نتيجة ذلك ليست استقرارًا، بل فراغًا؛ فراغ في الضغط، وفراغ في المراجعة، وفراغ في القدرة على التصحيح، حيث تستمر الأخطاء لأنها لا تُواجه، ويستمر المسار لأنه لا يُختبر، وهو ما يحول التأقلم من وسيلة لتخفيف الصدمة إلى أداة لإطالة عمر الأزمة.
ومع الوقت، يتحول هذا الفراغ إلى مخاطر حقيقية؛ إما تراكم بطيء ينتهي إلى لحظة فقدان السيطرة، أو انسحاب واسع من المشاركة، أو تآكل عام في الثقة، وكلها صور مختلفة لنفس الأزمة: غياب آليات التصحيح.
النظام هنا ليس خارج الصورة، بل طرف أساسي في تشكيل هذا النمط من التأقلم، لأنه يحدد حدود الفعل ومساحات المشاركة وطريقة إدارة القرار، وكلما ضاقت هذه المساحات، اتسعت معها مساحة التأقلم القسري، وهو ما قد يمنح انطباعًا مؤقتًا بالهدوء، لكنه في الحقيقة يؤجل الصدام ولا يمنعه.
المشكلة أن المجتمع الذي يتأقلم طويلًا لا يحتفظ بنفس قدرته على التغيير؛ يفقد تدريجيًا قدرته على التنظيم، وعلى الفعل الجماعي، وعلى الضغط، وهو ما يجعل أي محاولة لاحقة للإصلاح أكثر صعوبة، لأن الأدوات نفسها تكون قد تآكلت.
ولهذا، فإن التأقلم لا يمكن التعامل معه كحل، لأنه لا يحل الأزمة، بل يطيل عمرها، ويؤجل مواجهتها، ويرفع كلفتها حين تأتي لحظة التعامل معها.
الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بتقليل الضغوط فقط، بل بإعادة فتح المجال العام بشكل حقيقي، لأن المشكلة لم تعد في صعوبة القرارات، بل في أنها تُتخذ داخل دائرة مغلقة، وتُطرح على المجتمع كأمر واقع، وهو ما يحول التأقلم من سلوك فردي إلى نمط عام.
فتح المجال العام لا يعني فقط إتاحة النقاش، بل استعادة أدوار غابت؛ أحزاب قادرة على تمثيل حقيقي، لا حضور شكلي، ومنظمات مجتمع مدني تعمل بحرية، لا ضمن حدود ضيقة، ومساحات تسمح للمبادرات المجتمعية أن تنمو.
كما أن إعادة بناء العلاقة بين المواطن والحكومة لا تتم عبر الخطاب، بل عبر المشاركة، لأن المواطن الذي يُطلب منه أن يتحمل دون أن يشارك، لن يصبح أكثر استقرارًا، بل أكثر ابتعادًا، وهو ما يحول الهدوء الظاهري إلى حالة مؤقتة، لا يمكن الاعتماد عليها.
لأن البديل عن المشاركة المنظمة ليس الاستقرار، بل أشكال أخرى من التعبير لا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها.




