دُرُوسُ التَّارِيخِ وَمَصِيرُ الأَوْطَانِ: بَيْنَ أَوْهَامِ السَّلَامِ وَمَخَالِبِ الرَّدْعِ

لَقَدْ خَطَّ التَّارِيخُ الحَدِيثُ فُصُولَهُ بِحِبْرٍ قَانٍ مَمْزُوجٍ بِرَمَادِ الدُّوَلِ، مُقَدِّمًا لَنَا دُرُوسًا قَاسِيَةً لَا تَرْحَمُ الغَافِلِينَ.

فَإِذَا أَمْعَنَّا النَّظَرَ فِي تَجْرِبَتَيِ العِرَاقِ وَلِيبْيَا، سَنَجِدُ مَشْهَدًا تَرَاجِيدِيًّا لِنِظَامَيْنِ سَلَكَا دَرْبَ التَّنَازُلِ عَنْ مَشَارِيعِ الرَّدْعِ النَّوَوِيِّ، وَانْصَاعَا لِإِمْلَاءَاتِ القُوَى الكُبْرَى، ظَنًّا مِنْهُمَا أَنَّ صُكُوكَ الغُفْرَانِ الدَّوْلِيَّةِ سَتَكُونُ طَوْقَ نَجَاةٍ لَهُمَا.

لَكِنَّ الوَاقِعَ المَرِيرَ أَثْبَتَ أَنَّ تِلْكَ التَّنَازُلَاتِ لَمْ تَكُنْ بَابًا لِلسَّلَامِ، بَلْ كَانَتْ إِيذَانًا بِالسُّقُوطِ؛ فَمَا إِنْ قُصَّتْ مَخَالِبُ هَذِهِ الدُّوَلِ، حَتَّى تَهَالَبَتْ عَلَيْهَا المَطَامِعُ الخَارِجِيَّةُ، فَتَهَاوَتِ القِلَاعُ، وَتَمَزَّقَتِ الأَوْطَانُ، وَانْتَهَى المَطَافُ بِزَعِيمَيْنِ كَانَتْ نِهَايَتُهُمَا عِبْرَةً لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ.

وَلِمَ لَا؟ فَالْأَوْطَانُ الَّتِي تَتَخَلَّى عَنْ مَصَادِرِ قُوَّتِهَا بَحْثًا عَنْ رِضَا الْآخَرِ، لَا تَجْنِي سِوَى السَّرَابِ، وَتَبْقَى لُقْمَةً سَائِغَةً عَلَى مَائِدَةِ الْمَصَالِحِ الدَّوْلِيَّةِ.

وَهُنَا يَتَجَلَّى صِدْقُ مَا حَذَّرَ مِنْهُ فخامةُ السَّيِّدِ الرَّئِيسِ عَبْدِ الْفَتَّاحِ السِّيسِيِّ مِرَارًا، حِينَمَا جَعَلَ مِنْ بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَصَوْنِ مُؤَسَّسَاتِهَا خَطًّا أَحْمَرَ؛ نَاشِرًا الْوَعْيَ بِأَنَّ انْهِيَارَ الْكَيَانِ الْوَطَنِيِّ يَعْنِي ضَيَاعَ الْهُوِيَّةِ وَالْغَرَقَ فِي غَيَاهِبِ الْفَوْضَى الَّتِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ.

وَبِالْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ عَلَى هَذِهِ الشَّوَاهِدِ، نُدْرِكُ حَقِيقَةً صَارِخَةً: لَوْ أَنَّ إِيرَانَ انْسَاقَتْ خَلْفَ سَرَابِ الْوُعُودِ الْغَرْبِيَّةِ وَفَكَّكَتْ تَرْسَانَتَهَا بِالْكَامِلِ، لَمَا كَانَ مَصِيرُهَا بَعِيدًا عَنْ مَصِيرِ بَغْدَادَ أَوْ طَرَابُلُسَ. فَالسِّيَاسَةُ الدَّوْلِيَّةُ فِي جَوْهَرِهَا لَا تَعْرِفُ لُغَةَ الصَّدَاقَةِ، بَلْ لُغَةَ الْإِضْعَافِ؛ حَيْثُ يُجَرَّدُ الْخَصْمُ مِنْ سِلَاحِهِ أَوَّلًا، لِيَسْهُلَ كَسْرُ إِرَادَتِهِ ثَانِيًا.

إِنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِأَجَنْدَاتِ الْخَارِجِ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا حِصْنًا لِلشُّعُوبِ، وَلَا مَلَاذًا لِلْأَرْوَاحِ.

فَالْقُوَّةُ هِيَ الضَّمَانَةُ الْوَحِيدَةُ لِلسَّلَامِ، وَالدُّبْلُومَاسِيَّةُ بِلَا مَخَالِبَ هِيَ مُجَرَّدُ تَأْجِيلٍ لِلْهَزِيمَةِ فِي عَالَمٍ لَا يَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ.

فَالْوُعُودُ تَتَبَخَّرُ، وَالْمَصَالِحُ تَتَصَارَعُ، وَلَا يَبْقَى فِي الْمَيْدَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ سَيْفُهُ حَاضِرًا وَدِرْعُهُ مَتِينًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!