خلال المؤتمر الاقتصادى للحركة المدنية.. وفاء صبرى تقود نقاش حول إستراتيجية الخروج من النفق.. الاقتصاد المصري بين قيود التبعية وضرورات الإصلاح السياسي والهيكلي

شهدت أروقة الحركة المدنية الديمقراطية مناقشات حادة ومعمقة حول واقع الاقتصاد الوطني، حيث تلاقت الرؤى حول ضرورة إحداث تغيير جذري في فلسفة الإدارة لانتشال البلاد من مأزق “اقتصاد التبعية” الذي حوّل مصر إلى سوق استهلاكي مكشوف أمام الصدمات الدولية.
وقد برز خلال المداولات إجماع على أن الأزمة الراهنة ليست مجرد أرقام صماء، بل هي أزمة هيكلية ناتجة عن تغليب الولاء على الكفاءة، وغياب سيادة القانون، والاعتماد المفرط على القروض والمشروعات التي تفتقر لدراسات الجدوى الحقيقية، مما أدى إلى استنزاف موارد المجتمع وتهميش طاقاته الشابة.
وحذر المشاركون من أن استمرار نهج الارتجالية يضع الدولة في حالة “عناية مركزة” دائمة، مؤكدين أن الحل الاقتصادي يبدأ بالأساس من “حل سياسي” يضمن استعادة رضا الشارع وبناء استراتيجية وطنية عابرة للحكومات، بعيداً عن سياسات الترقيع التي لا تعالج جذور الفقر.
وفي سياق إدارتها للجلسة الثانية، وضعت الدكتورة وفاء صبري، رئيسة حزب الدستور، النقاط على الحروف عبر طرح تساؤلات جوهرية حول سبل تحويل التحديات الإقليمية، لا سيما تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، إلى فرص حقيقية للتنمية.
وشددت صبري في إدارتها للنقاش على ضرورة استخلاص الدروس من التجارب الدولية الناجحة، منتقدة غياب الرؤية الواضحة لاستثمار الموارد المتاحة، وداعية المجتمع المصري لتقديم رؤية بديلة تضع خارطة طريق للإصلاح الهيكلي وتنهي حالة التخبط في إدارة الأزمات، لضمان صمود الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الخارجية.
من جانبهم، فكك المتحدثون والمتحاورون أسباب الهشاشة الراهنة، مرجعين إياها إلى سوء إدارة السياسات لا إلى ضعف المقومات الذاتية للدولة، حيث تمت الإشارة إلى أن علاج التضخم لا يكمن في الأدوات النقدية وحدها، بل في “ثورة إنتاجية” شاملة تزيد المعروض السلعي.
وطالب المشاركون بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية من خلال توجيه الاستثمارات نحو “البنية البشرية” والتعليم والتثقيف بدلاً من التركيز المطلق على البنية التحتية الإنشائية، مع ضرورة حسم التوجهات في السياسة الخارجية لضمان الاصطفاف الاستراتيجي الصحيح.
وخلص التقرير إلى أن بناء اقتصاد قوي يتطلب إرادة سياسية تنهي هيمنة الحلول المؤقتة وتفتح المجال أمام العقول الوطنية للمشاركة في صنع القرار، مع التأكيد على أن استقرار الدولة يظل رهيناً بقدرتها على توفير الأمان المجتمعي وتحقيق الحماية الاجتماعية الحقيقية لمواطنيها.
وأكد الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصادات التمويل، أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات قوية، مرجعاً حالة الهشاشة الراهنة إلى سوء إدارة السياسات الاقتصادية لا إلى ضعف الاقتصاد ذاته.
وأوضح الصادي أن الحرب الأمريكية الإيرانية أفرزت تداعيات دولية معقدة، مشيراً إلى أن الصين تعاملت بحكمة اقتصادية فائقة عبر تأمين احتياطياتها من المحروقات، في حين تواجه دول أخرى أزمات مالية.
ودعا الصادي الدولة المصرية إلى ضرورة حسم توجهاتها في السياسة الخارجية والاصطفاف الاستراتيجي، معتبراً أن علاج التضخم لا يكمن في السياسات النقدية وحدها، بل في ثورة إنتاجية تزيد المعروض السلعي،
كما طالب بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية للإنفاق، بحيث يتم توجيه الاستثمارات نحو “البنية البشرية” (التعليم والتثقيف) بدلاً من التركيز المطلق على البنية التحتية الإنشائية، مع تأييده لرفع الدعم بشرط ربطه ببرامج حقيقية للحماية الاجتماعية وخلق فرص عمل.
من جانبه انتقد الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث السياسي، السياسات الاقتصادية الراهنة واصفاً إياها بأنها “اقتصاد التبعية” الذي حوّل مصر إلى سوق استهلاكي لمنتجات الدول الأخرى.
وأكد حسن أن الأزمة أعمق من مجرد أرقام، فهي تكمن في الفساد الإداري وتغليب الولاء على الكفاءة، مما أدى لخسائر فادحة في مشروعات قومية تفتقر للدراسات والجدوى.
وشدد على أن انتزاع الموارد من الشعب أدى لتهميش إمكانات المجتمع، لا سيما طاقته الشبابية، مؤكداً أن الحل الاقتصادي هو في المقام الأول “حل سياسي”.
وحذر من أن تفاقم الضغوط المعيشية والحديث عن “ثورة جياع” يعكس غياب الأمان المجتمعي، مشدداً على أن استقرار الدولة مرهون باستعادة رضا رجل الشارع، وأن الاستمرار في نهج القروض وتجاهل احتياجات الناس يعبر عن استخفاف بقدرة هذا الشعب على التغيير.
وطالب حسن بضرورة صياغة استراتيجية وطنية تتجاوز الارتجالية، مؤكداً أن غياب سيادة القانون وانتهاكات الدستور تنفر الاستثمار، وأن مصر بحاجة لبرنامج إنقاذي يعيد السياسة كرافعة للاقتصاد، بدلاً من بقاء الدولة في حالة “عناية مركزة” دائمة.




