حزب الدستور ينظم حلقة نقاشية حول “قانون الأحوال الشخصية”.. ومتحدثون يطالبون بحوار مجتمعي موسع وضمانات صارمة لحماية الأسرة والطفل

نظم حزب الدستور حلقة نقاشية موسعة تحت عنوان “نحو قانون للأحوال الشخصية للحفاظ على الأسرة والمجتمع”، بمشاركة واسعة من سياسيين، وقانونيين، وممثلي منظمات المجتمع المدني النسوية، فتحت خلالها المنصة ملف التعديلات التشريعية المرتقبة لقوانين الأحوال الشخصية، وأثرها المباشر على الاستقرار الأسري والمجتمعي في مصر.
وافتتحت النقاش دكتورة وفاء صبري، رئيسة حزب الدستور، مؤكدة أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد أثار حالة واسعة من الجدل، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأرجعت هذا اللغط إلى عدم توافر المعلومات الصحيحة.

وفي سياق متصل، أوضحت الدكتورة إيمان بيبرس رئيسة جمعية نهوض وتنمية المرأة، أنها عملت على ملف قانون الأحوال الشخصية منذ عام 2011، مشيرة إلى أن بند “الاستضافة” الخاص بالحضانة المشتركة بين الأب والأم أضيف في القانون الجديد دون وضع شروط أو آليات واضحة، ولا يوضح الضمانات اللازمة لحماية الطفل من خطر الاختطاف أو السفر به دون رغبة الطرف الآخر.
وأضافت بيبرس أنه يجب ربط هذه القضية بمدى التزام الأب بالإنفاق على أولاده، وكذلك التحقق من السلامة السلوكية والأخلاقية للطرفين، مشددة على أن المحكمة هي الجهة الوحيدة المنوط بها الحكم على أهلية الأب أو الأم من خلال شروط معينة وضمن قضايا يتم رفعها مثل قضايا النفقة، لافتة في الوقت ذاته إلى غياب وجود “شرطة للأسرة” لضمان ومراقبة عملية تسليم وتسلّم الأطفال بشكل آمن.

كما طرحت بيبرس حزمة مقترحات لتأمين منظومة الاستضافة، تضمنت ضرورة إلزام الطرف الراغب في الاستضافة برفع دعوى قضائية أولاً للتأكد من أمان وأهلية الأب أو الأم على أولادهم، وأن تخضع عملية التسليم والتسلم لإشراف مباشر من وزارة العدل، مع التأكيد المباشر على أهمية استقرار سن الحضانة حتى 15 عاماً لضمان الاستقرار النفسي والتربوي للطفل.
من جانبه، انتقد طارق العوضي، المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي، الصياغة الحالية لمشروع القانون، مسلطاً الضوء على المادة السابعة التي تمنح الدولة الحق في طلب فسخ عقد الزواج خلال مدة لا تزيد عن ستة أشهر من تاريخ العقد، إذا تبين أن الزوج ادعى صفات غير حقيقية، شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب.
وأوضح العوضي أن الكثيرين لم يقرؤوا المذكرة الإيضاحية للقانون التي تفسر هذه المادة، حيث أشارت إلى حالات ادعاء الزوج لمكانة اجتماعية أو سيرة حسنة على غير الحقيقة، محذراً من أن استمرار المادة بشكّلها الحالي دون تمييز دقيق بين الطلاق والفسخ سيخلق أزمة كبيرة ومستمرة، مما يدفعه للمطالبة بسحب مشروع القانون المقدم من الحكومة بالكامل.
وأضاف العوضي أن قوانين الأحوال الشخصية المطبقة في مصر منذ عام 1920 نتج عن ممارستها العملية العديد من المشكلات ولم تعد تلبي احتياجات الأسرة المصرية، مشيراً إلى أن رغبة الدولة في التغيير ظهرت حتى عبر الأعمال الدرامية، إلا أن واضعي المشروع الحالي غابت عنهم الفلسفة التشريعية الواضحة وجاء القانون متأثراً بتجارب أو أهواء شخصية، وفشل في الوصول إلى حد أدنى من التوافق المجتمعي.
وفيما يتعلق بملف الحضانة، أكد العوضي أن جعل ترتيب الحضانة إلزامياً وجامداً ينطوي على ظلم كبير للطفل، مطالباً بضرورة ترك مساحة تقديرية واسعة للقاضي المؤهل والمدرب للحكم على كل حالة على حدة وفقاً لمصلحة المحضون الفضلى.
كما تطرق إلى أزمة النفقة وسرية تحريات الدخل، مشدداً على الأهمية البالغة لوضع حد أدنى للنفقة. وفجّر العوضي مفاجأة بخصوص مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، واصفاً إياه بأنه يتضمن “كوارث” نظراً لوجود طوائف مسيحية كاملة باتت خارج حسابات هذا القانون ولم يشملها التنظيم التشريعي، مطالباً بإخضاع القانون لحوار مجتمعي مكثف، مستنكراً في الوقت ذاته عدم عرض مشروع القانون على مجلس الشيوخ حتى الآن للاستفادة من غرفته التشريعية في ضبط المواد.
وفي هذا الصدد، أعربت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، عن انزعاجها الشديد من طريقة النقاش الحالية الدائرة حول القانون، مشيرة إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في تحول الأمر إلى صراع يبحث فيه كل طرف عن الانتصار أو الهزيمة دون السعي وراء حلول وسطى تضمن استقرار الأسرة.
وعقّبت صابر على تساؤل العوضي بشأن عدم عرض القانون على مجلس الشيوخ، موضحة أن المجلس يمتلك دوراً أصيلاً في دراسة الأثر التشريعي للقوانين، إلا أن مشروع القانون لم يأتِ إلى مجلس الشيوخ لأن الحوار المجتمعي الحقيقي لن يحدث في ظل الظرف الحالي وشكل النقاش الراهن المليء بالاستقطاب، مؤكدة على ضرورة أن يقوم المجلس بدراسة الأثر التشريعي للقانون القائم أولاً للوقوف على مشكلاته الحقيقية من أرض الواقع.
وأضافت نائبة رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية له دور كبير في هذا الملف، لافتة إلى دراسة حديثة صدرت عن المركز في عام 2024، والتي خلصت إلى توصيات جوهرية لحل الأزمات الأسرية؛ من أبرزها إلزامية كتابة قائمة المنقولات الزوجية، وتوثيق الطلاق بحضور الطرفين لضمان الحقوق، والالتزام بتقديم دورات وتأهيل للمقبلين على الزواج، بالإضافة إلى التأكيد على أن تؤول الحضانة تلقائياً للأب مباشرة بعد وفاة
الأم.
وفي ختام المنصة، أشادت نيفين عبيد، الرئيس التنفيذي لمؤسسة المرأة الجديدة، ببعض المكاسب والمزايا التي جاء بها مشروع القانون الجديد، معتبرة أن إلحاق عقد الزواج بصيغة تنفيذية وتعاقدية يعد أمراً جيداً للغاية ومن شأنه حل قدر كبير من المشكلات المزمنة، بالإضافة إلى التوجه نحو النظر في كافة منازعات الزواج والأسرة داخل “ملف واحد” أمام المحكمة، وهو مطلب نادت به المنظمات الحقوقية لسنوات وحسم قضايا عالقة قديمة.
ورغم هذه الإيجابيات، انتقدت عبيد بقاء قانون الأحوال الشخصية دون تغيير عميق لقرابة عقد من الزمن، مرجعة ذلك إلى خشية الدولة من مواجهة المشكلات العميقة والتشابكات الحقيقية لهذا الملف، مطالباً بضرورة إخضاع القانون لحوار مجتمعي واسع بل وعرضه للاستفتاء الشعبي، مع التأكيد على مساواة الرجل والمرأة أمام القانون واعتبار المرأة شريكاً أصيلاً في اتخاذ القرار الأسري.
وأوضحت عبيد أن مؤسسة المرأة الجديدة طرحت ورقة محددات شاملة لتعديل القانون حظيت بتأييد وتوقيعات واسعة من الأحزاب والمنظمات النسوية، حيث ارتكزت الورقة على نقاط جوهرية؛ أولها حسم قضية “الأهلية القانونية” بالالتزام القاطع بألا يقل سن الزواج عن 18 عاماً، وإعادة النظر في مفهوم “الولاية” للتأكيد على حق المرأة في الأهلية الشخصية الكاملة على عقد زواجها. وتضمن المحور الثاني لورقة المحددات رؤية خاصة بملف الحضانة ترتكز على “المصلحة الفضلى للطفل” وتحديد سن الحضانة بـ 15 عاماً، مع وضع تصور لضمانات “الاستضافة الآمنة” للأطفال من قبل الطرف غير الحاضن بما يحقق التوازن النفسي دون المساس باستقراره.
واختتمت عبيد حديثها بمطالبة الدولة بالقيام بدورها الاجتماعي المباشر لحماية الأسر المتعثرة عبر تخصيص بنود واضحة في الموازنة العامة لضمان دفع النفقات في حالات العجز، بما يضمن حياة كريمة للأطفال ويحميهم من الانهيار المادي.




