الحفناوي لـ”السلطة الرابعة”: تحويل الدعم لـ«نقدي» رضوخ لشروط الصندوق.. ويُهدد الاستقرار الاجتماعي

انتقدت الدكتورة كريمة الحفناوي، الناشطة السياسية والحقوقية، التوجهات الحكومية الرامية إلى إلغاء الدعم العيني على السلع التموينية والخبز وتحويله إلى دعم نقدي، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي استمراراً لسياسات الامتثال لإملاءات صندوق النقد الدولي، والتي تنعكس سلباً على الأغلبية العظمى من المواطنين، لا سيما في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تشهد موجات غير مسبوقة من الغلاء وتدني الأجور.
وأضافت الحفناوي، في تصريحات خاصة لموقع «السلطة الرابعة»، أن قرض بضعة مليارات من الدولارات من صندوق النقد الدولي فرض على الدولة شروطاً مجحفة، شملت توسيع دائرة الضرائب غير المباشرة والرسوم على الخدمات الأساسية، وتخفيض قيمة العملة المحلية، ورفع أسعار الفائدة، فضلاً عن إجراءات التقشف وخصخصة وتصفية ممتلكات الشعب والدولة، وصولاً إلى الشرط الأخير المتعلق بملف الدعم.
لغة الأرقام.. الدعم بريء من الأزمة الاقتصادية
وفجّرت الحفناوي مفاجأة بالأرقام استناداً إلى الموازنة العامة للدولة، مؤكدة أن حجة “أعباء الدعم” غير دقيقة مقارنة بحجم الناتج المحلي الإجمالي أو ببنود الإنفاق الأخرى، وجاءت الأرقام التي استعرضتها كالتالي:
الناتج المحلي الإجمالي لمصر: يقترب من 21 تريليون جنيه.
إجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية: 832 مليار جنيه.
دعم السلع التموينية والخبز معاً: 178 مليار جنيه (منها 133 ملياراً لدعم الخبز، و44.5 مليار للسلع الغذائية).
“نسبة دعم السلع والخبز ضئيلة جداً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي البالغ 21 تريليون جنيه، مما يعني أن هذه النسبة ليست هي المتسببة في الأزمة المالية للحكومة، ومع ذلك تجد الحكومة تضغط على المواطن البسيط والغلابة بدلاً من حل الجذور الحقيقية للأزمة”.
— د. كريمة الحفناوي
وأشارت إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في مكان آخر بالموازنة، حيث يلتهم بند “أعباء وفوائد الديون” ما يقرب من 46% من إجمالي الموازنة العامة للدولة (أي نحو نصف الموازنة)، وهو ما يوضح أن الدعم لا يمثل نسبة تُذكر مقارنة بالإنفاق الحكومي العام.
“رغيف الخبز” الستر الأخير.. وقانون الإيجارات زاد الطين بلة
وتساءلت الحفناوي باستنكار: “كيف تستكثر الحكومة على المواطن ورقة دعم الخبز، والتي تمثل الستر الأخير والملجأ النهائي للمواطن البسيط؟”.
وربطت الحفناوي بين منظومة الدعم وأزمة السكن، مشيرة إلى أن المواطن يعيش حالة من الانكشاف الاقتصادي والاجتماعي، خاصة بعد التعديلات الأخيرة على قانون الإيجارات القديمة، والتي جعلت الكثيرين مهددين في مأواهم (الأربعة حيطان)، ليأتي التفكير في رفع الدعم العيني عن الخبز ليرفع عن المواطن ما تبقى له من ستر.
غياب الرقابة على الأسواق.. والتضخم سيبتلع الدعم النقدي
وحول مبررات الحكومة بأن الدعم النقدي سيكون بديلاً أفضل، شككت الحفناوي في قدرة ورغبة الحكومة في ضبط الأسواق، قائلة:
“هل ستلتزم الحكومة بضبط الأسواق والسيطرة على جنون الأسعار بعد تحويل الدعم لنقدي؟ بالتأكيد لا؛ فالتجارب السابقة أثبتت أن هذه الحكومة لا علاقة لها بحماية المستهلك أو السيطرة على الأسواق”.
وأوضحت أن القيمة المادية للدعم النقدي ستتآكل سريعاً وبشكل يومي بفعل التضخم، متسائلة: “هل ستلتزم الحكومة بمراجعة قيمة الدعم النقدي كل 6 أشهر أو عام ليتواكب مع معدلات التضخم المتزايدة؟”.
واعتبرت أن الحديث عن “وصول الدعم لمستحقيه” عبر المنظومة النقدية ليس إلا غطاءً لـتنقية وتصفية بطاقات التموين وإلغاء الملايين منها، وهو ما سيحرم ملايين الأسر الفقيرة من حقها في الغذاء، في وقت تشير فيه تقارير البنك الدولي إلى أن 66% من الشعب المصري يصنفون ضمن الفئات الأكثر احتياجاً وغير القادرين على تلبية متطلباتهم الأساسية.
محاربة الفساد أم التفرج عليه؟ تجربة “جودة عبد الخالق” كدليل
ورفضت الحفناوي الحجج الحكومية القديمة والجديدة التي تبرر إلغاء الدعم بوجود فساد في المنظومة أو تسريب الخبز ليكون “علفاً للمواشي”، متهكمة: “عن أي علف مواشي يتحدثون في ظل هذا الغلاء؟ المواطنون اليوم لا يجدون ما يكفي طعامهم الأساسي حتى تفيض منهم بقايا للطيور والمواشي”.
وتابعت: “إذا كانت الحكومة تحتج بوجود فساد في منظومة الخبز العيني، فهل دورها هو التفرج على الفاسدين أم معاقبتهم وضبط المنظومة؟”. واستشهدت الحفناوي بالتجربة الناجحة للمفكر الاقتصادي الدكتور جودة عبد الخالق إبان توليه وزارة التموين والتجارة الداخلية، حيث وضع منظومة صارمة ومحكمة للخبز استطاعت محاصرة الفاسدين ومنع التلاعب، مؤكدة أن الدولة قادرة تماماً على محاربة الفساد وإيصال الدعم العيني لمستحقيه إذا توفرت الإرادة السياسية.
تحذير من “الاحتقان الاجتماعي”
وفي ختام تصريحاتها لـ«السلطة الرابعة»، وجهت الدكتورة كريمة الحفناوي تحذيراً شديد اللهجة من مغبة الاستمرار في هذه السياسات، مؤكدة أن إلغاء الدعم العيني سيضاعف من حالة الاحتقان المجتمعي، لا سيما مع تدني الأجور، والمعاناة الشديدة لـ 10 إلى 11 مليون مواطن من أصحاب المعاشات الذين عوقبوا بزيادة 15% فقط رغم أن الحد الأدنى لمعاشاتهم (1700 جنيه) لا يكفي ثمناً للدواء؛ مما يعد حكماً بالموت البطيء عليهم بعد سنوات من استقطاع التأمينات من رواتبهم.
واختتمت قائلاً:
“إن التزامن بين غلاء الفواتير (غاز، كهرباء، مياه)، وارتفاع تكلفة المواصلات والإنقالات، وقفزات الإيجارات، مع المساس بلقمة عيش المواطن (الخبز والتموين)، يدفع المجتمع نحو حالة احتقان قد تؤدي إلى عواقب وخيمة لا يحمد عقباها. ومن أجل الحفاظ على استقرار الدولة والتماسك الاجتماعي، نعلن رفضنا القاطع لإلغاء الدعم العيني أو تحويله إلى نقدي”.




