“مهندس المعارك الصامتة”.. قوى سياسية ونقابية تؤبن الراحل محب عبود: “رحل قائد أوركسترا النضال العمالي”

– رئيس “التحالف الشعبي”: مواقفه ستظل نوراً يضيء طريقنا.. ومدحت الزاهد: كان نموذجاً للمثابرة الهادئة والخلاف معه ممتعاً
– أسرته ورفاقه يروون اللحظات الأخيرة في حياة “المثقف العضوي” وكيف أنقذ أهالي الإسكندرية من التشريد
في ليلة وفاء وطنية طغت عليها مشاعر الفقد والإجلال، أقام حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، حفل تأبين حاشد للمناضل العمالي البارز الراحل “محب عبود”، القيادي والمؤسس والوكيل لنقابة المعلمين المستقلة، وأمين الحزب بمحافظة الإسكندرية. شهد الحفل حضوراً لافتاً من قيادات الحركة الوطنية المصرية، ورؤساء الأحزاب، وممثلي النقابات العمالية والمهنية، الذين أجمعوا على أن الراحل ترك إرثاً نضالياً ملهماً للأجيال القادمة.

ليلة في حب “محب”.. مسؤولية مضاعفة
افتتح المهندس طلعت فهمي، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، كلمته مؤكداً أن رحيل قامات بحجم محب عبود يضع عبئاً إضافياً ومسؤولية كبرى على عاتق رفاقه لاستكمال المسيرة، قائلاً: “اليوم ليس لمجرد البكاء، بل هو مناسبة لنتذكر مواقف الراحل التي ستظل بمثابة النور المنير لطريقنا”.

ومن جانبه، نعى مدحت الزاهد، رئيس الحزب السابق، الراحل بكلمات مؤثرة وصفه فيها بـ “روح المثابرة والمناضلة الهادئة”، مستعرضاً جانباً من الخلافات السياسية الراقية بينهما، ولا سيما إبان الحوار الوطني؛ حيث كان للحزب رأي بالانسحاب، بينما كان لمحب وجهة نظر مغايرة بضرورة استغلال المنصة لإيصال صوت الجماهير وتعليم الناس. وأضاف الزاهد: “حتى في ذروة مرضه الأخير، أصررت على أن يتولى أمانة الحزب بالإسكندرية، ثقةً في قدرته وعطائه الذي لا ينضب”.
قائد أوركسترا التعليم والحق في الصحة

وفي شهادة رفيقه منذ الحركة الطلابية في الثمانينيات، أكد الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الحق في الصحة، أن الراحل كان يرى أن “التعليم والصحة” وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان، لافتاً إلى نجاح النضال المشترك في فرض المادة الدستورية التي تتيح حرية العمل النقابي بمجرد الإخطار.
وكشف خليل عن كواليس صياغة رؤية التعليم في الحوار الوطني قائلًا: “بلورنا قضايا التعليم بين 12 حزباً سياسياً، ونظراً لطبيعة محب المجمّعة، كان هو القائم على صياغة وتأليف تلك الرؤية التي خرجت في كتاب يعد من أعظم ما كُتب عن التعليم في مصر، فكان بحق قائد أوركسترا هذا العمل الصياغي الهام”.
وفي سياق متصل، وصف إلهامي المرغني، القيادي بالحزب، الراحل بأنه “النموذج المثالي للمثقف العضوي”، مشيراً إلى دوره الدؤوب كمنسق لتحالف عمال أمانات الأحزاب، وشغفه الدائم بالبحث والتدقيق في كافة مشاريع قوانين العمل لصالح العمال.

مدرسة في التفاوض والعمل النقابي
تعددت شهادات ممثلي الأحزاب والقوى السياسية حول الدور النقابي للراحل؛ حيث أشار وائل توفيق، القيادي بالتحالف الشعبي ومدير الندوة، إلى أن محب عبود كان جندياً مخلصاً لم يعتذر يوماً عن نشاط أو ندوة، وهو أول من وضع حجر الأساس لنقابة مستقلة للمعلمين.
بينما أكد ياسر جابر، عضو مجلس نقابة المعلمين المستقلة، أن الرفاق تعلموا من “عبود” الإصرار في مواجهة الصعاب، وفنون التفاوض مع المسؤولين أياً كانت درجتهم الوظيفية، واصفاً إياه بـ “الأب الثاني”.
ومن جانبه، قال عثمان مصطفى، أمين العمال بحزب العدل: “تعلمنا منه الحكمة وإدارة الاختلاف، فقد كان رجلاً عظيماً قادراً على تفكيك المشاحنات والاشتباكات السياسية بسلاسة”. فيما أضاف علاء، ممثل تحالف أمانات العمال بحزب الكرامة، أن الراحل علمهم كيفية المطالبة بالحقوق بجانب لفتاته الإنسانية مثل تنظيم حفلات للأيتام.
واستعاد هاني جورج، ممثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، موقفاً ينم عن تجرد الراحل، موضحاً أنه بالرغم من استقالته من الحزب إثر اختلاف في الرؤى سابقاً، فإنه لم يتأخر يوماً عن تقديم الدعم والمساندة لفعاليات الحزب، مؤكداً: “كان يعمل بإخلاص دون أن تشغله أضواء المشهد”.
الاختلاف دون خلاف.. والتزام حتى الرمق الأخير
تحدثت الدكتورة كريمة الحفناوي المناضلة السياسية، بنبرة حزينة وعينين دامعتين، قائلة إن الجميع كان يدعوه “عم محب” لأنه كان أباً للكل، يجمع بمحبته المتناقضين والمختلفين سياسياً. وأضافت: “تعلمنا منه العمل حتى النفس الأخير، والاختلاف دون خلاف. كان يأتي خصيصاً من الإسكندرية للقاهرة لحضور الأنشطة الحزبية للمشاركة واتذكر أثناء مرضه كان يتحدث معنا ويريد مقابلتنا و كانه يوصينا بضرورة ألا نؤجل لقاء من نحب إذا كان متعباً”.
واسترجعت الدكتورة فاطمة خفاجي مواقفها معه في ندوات حقوق الإنسان، مؤكدة دقة الراحل التنظيمية وحرصه على قيم الحزب؛ إذ كان يرفض تماماً مجاملة أو تأييد أي عضو لا يلتزم بحضور الاجتماعات أو تسديد الاشتراكات. وفي هذا الصدد، كشف محمد أمين، مسؤول الاشتراكات بالتحالف الشعبي، عن لفتة لافتة تؤكد نزاهة الراحل، حيث كان يرسل قيمة اشتراكه الحزبي والزيادات المقررة في أول يوم يتقاضى فيه معاشه التقاعدي بانتظام شديد.
فيما أشار القيادي الدكتور زهدي الشامي، إلى أن عبود كان “شخصية متعددة الأبعاد يندر تكرارها؛ جمع بين العمل النقابي، والسياسي، والصحفي، وكان يفني صحته في العمل المعارض والنقابي النقي على حساب نفسه”. واستذكر حسن البربري، عضو الحزب، كلمات الراحل الفلسفية له عقب خروجه من تجربة الحبس السياسي حين قال له: “عايز تعيش المظلومية ولا ناوي تكمل؟ لأن المظلومية لا تنتهي”، وهي الكلمات التي شكلت نقطة تحول في حياته.
سيرة عطرة وإنقاذ “أهالي الجزيرة” من التشريد
ومن الإسكندرية، تحدث رفيقه “حبشي” معبراً عن الأثر الذي تركه الراحل في قلوب أبناء الثغر، مؤكداً: “مفيش بيت في إسكندرية محب عبود مدرسش لأولاده كمدرس.. لم يترك مالاً بل ترك سيرة عطرة وقدوة”.
تلك السيرة أكدها نجله “جهاد محب عبود”، مستشهداً برسالة من عمال شركة المياه المعدنية بالإسكندرية الذين أعربوا عن امتنانهم التاريخي لنضال الراحل الذي أسفر عن رفع مكافأة نهاية الخدمة لجميع عمال الشركة. وروى جهاد محطة هامة من نضال والده في التسعينيات حينما خاض انتخابات المحليات وحل في الترتيب الـ12 بين الفائزين بجهده الذاتي، كما استعرض نجاح والده في تغيير مسار نفق حكومي بمنطقة “الجزيرة” لمنع هدم بيوت الأهالي وتشريدهم. وأضاف: “كان والدي يرفض تجارة الدروس الخصوصية، وكان يراعي غير القادرين، فرسالته كانت دائماً هي التجميع لا الفرقة”.
واختتمت الكلمات التعبيرة السيدة نسمة أبو شهب، زوجة المناضل الراحل، التي أشارت إلى أن معرفتها به بدأت عام 1983، مؤكدة أنه كان أباً للجميع، ولم ينقطع عطاؤه السياسي قط. وروت كيف كان يطرق أبواب البيوت في منطقة الجزيرة لتنظيم الأهالي والدفاع عن ممتلكاتهم ضد التشريد.
وأضافت بوجه يملؤه الفخر: “حتى في مرضه، رفضت أن يذهب لمستشفيات استثمارية، وكان يصر على العلاج في التامين الصحي كحق أصيل له كمواطن مصري.. محب لم يترك لنا أموالاً، لكنه ترك لي ولأولاده وأحفاده تاريخاً دسماً ومشرفاً”. كما شارك حفيده بكلمات بريئة مستذكراً كيف كان جده يشاركه تفاصيل حياته من لعب الشطرنج ومذاكرة الدروس وتشجيع كرة القدم.




