بين نقد الذات والبحث عن ظهير شعبي.. قيادات معارضة يفككون خبرات “العمل الجبهوي” في ندوة لـ “حق الناس”

في قراءة نقذية لاستعادة المبادرة السياسية والانتقال من “الغرف المغلقة” إلى “الشارع والقرى”، عقدت الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية (حق الناس) ندوة موسعة بعنوان “الجبهات السياسية.. خبرات مصرية” بمقر حزب الوفاق القومي الناصري الاشتراكي، أدارها الدكتور زهدي الشامي القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي.
شهدت الندوة حضوراً كثيفاً من رموز التيار المدني والنقابي واليساري، تقدمهم القيادي الشيوعي صلاح عدلي، والمهندس عبد العزيز الحسيني (حزب الكرامة)، والدكتور محمد حسن خليل (الحزب الاشتراكي المصري)، والقيادي النقابي كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة الأسبق، والدكتورة كريمة الحفناوي، والمناضلة حياة الشيمي، ومحمد رفعت رئيس حزب الوفاق القومي، ومحمد النمر رئيس الحزب الناصري، إلى جانب عدد من قيادات الأحزاب الوطنية.

صلاح عدلي: التحالفات ضرورة لتجاوز الضعف الذاتي للأحزاب
افتتح الكلمة الرئيسية الاستاذ صلاح عدلي، رئيس الحزب الشيوعي المصري، مستعرضاً تجربة “الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية” الممتدة لـ 5 سنوات، مؤكداً أن الضعف الذاتي للأحزاب يتطلب بالضرورة خلق تنسيقات وتحالفات مشتركة تعوض هذا الخلل وتصنع تكاملاً حقيقياً.
وفكّك عدلي أشكال العمل المشترك إلى مستويات ثلاث:
ائتلافات انتخابية: تهدف للتنسيق المباشر بين أحزاب ذات توجهات مختلفة (يسارية ويمينية) أثناء الاستحقاقات.
جبهات سياسية وتنسيقية: مثل تجارب “الحركة الديمقراطية” و”حركة كفاية”، لإدارة مواقف وسياسات مباشرة.
جبهات استراتيجية طويلة المدى: تُبنى لمواجهة مهام وطنية وديمقراطية شاملة.
ودعا عدلي إلى ضرورة “تجاوز الأنا والذاتية” في التنسيق الحزبي، مضيفاً: “عندما يتحالف الشيوعيون والناصريون، يجب ألا نكتفي بالشعارات، بل نبحث بشجاعة في الأخطاء التاريخية التي وقع فيها عبد الناصر وأخطاء الشيوعيين لنستوعب الدروس ونتجاوزها”.
كمال أبو عيطة: “أعتصر ألماً”.. ولا نجاح لجبهة بلا أصحاب المصلحة الحقيقية
وفي كلمة غاضبة ومشحونة بخبرة نضالية تمتد لـ 50 عاماً، صرح الدكتور كمال أبو عيطة، وزير القوى العاملة الأسبق والقيادي بحزب الكرامة، بأنه جمد عضويته في الحزب لعدم وجود موقف حاسم تجاه السياسات الاقتصادية المتلاحقة التي تؤثر على المواطن.
وقال أبو عيطة: “أعتصر ألماً حين أسمع شاباً يترحم على أيام مبارك. هذا يعكس حجماً مهولاً من الفقر والهوان الاقتصادي، والواجب يدعونا للتوحد فوراً ضد الاقتصاد الهش والاستدانة وبيع أصول الدولة”.
وطرح أبو عيطة رؤيته لهيكلة أي حركة وطنية قادمة لتضم “قلباً يسارياً” يحيط به ممثلون حقيقيون للعمال، والفلاحين بجلا بيبهم، والشباب، والمرأة، والمسيحيين كجزء أصيل من النسيج الوطني، مستطرداً: “انضم لنا سابقاً 2.4 مليون عامل لأننا التحمنا بقضاياهم واحتياجاتهم اليومية والميدانية، والنزاهة والتكافل الاجتماعي هما الوقود الحقيقي لثقة الشارع”.
محمد رفعت: نرفض معاقبة سجناء الرأي بـ “قوانين مكافحة الإرهاب”
من جانبه، شدد محمد رفعت، رئيس حزب الوفاق القومي الناصري، على أن أي تحرك سياسي لا يستهدف التواجد الميداني والخروج من قاعات الاجتماعات المغلقة إلى الشارع لن يكتب له النجاح.
وانتقد رفعت آليات القوانين المقيدة للحريات قائلاً: “أتاحدى من يثبت أن قوانين مكافحة الإرهاب تُطبق في مسارها الصحيح فقط؛ بل يتم استغلالها وتلفيقها ضد سياسيين وسجناء رأي بتهم جاهزة مثل تكدير السلم العام”. كما تطرق إلى قضية الأراضي والعقود الاستثمارية، داعياً إلى ضرورة إيجاد “حائط صد شعبي وقانوني” لحماية ممتلكات الدولة ومقدراتها.
الدفاع عن الصحة.. النموذج الأنجح للنضال المطلبي
وفي سياق استعراض التجارب الناجحة، ألقى الدكتور محمد حسن خليل، القيادي بالحزب الاشتراكي المصري، الضوء على تجربة “لجنة الدفاع عن الحق في الصحة”، وكيف استطاعت إسقاط مشروع قانون خصخصة التأمين الصحي المتمثل في “الشركة القابضة للرعاية الصحية”.
وأوضح خليل أن النضال القانوني والوقفات الاحتجاجية أمام البرلمان والندوات بنقابات الأطباء والصحفيين أجبرت الحكومة على سحب المشروع وإلغاء بنود خطيرة كانت تضع موانع لعلاج حزمة من الأمراض، مؤكداً أن النضال المطلبي المباشر هو أسرع الطرق لإقناع الجماهير بجدوى العمل السياسي.
وفي السياق نفسه، استرجعت الدكتورة كريمة الحفناوي عناصر نجاح الجبهات التاريخية، متوقفة عند ضرورة وجود لجنة استشارية وأخرى تنفيذية، وموعد اجتماعات دوري ثابت، وإعطاء صلاحيات واسعة للمتحدثين رسمياً بناءً على رؤية ومواثيق متفق عليها، مؤكدة أن مثلث النجاح يكمن في: (نضال قانوني حركة جماهيرية لجنة إعلامية وصحفية محترفة).
عبد العزيز الحسيني: المقاطعة أثبتت جدواها.. والهدف النفاذ إلى القرى
وتطرق المهندس عبد العزيز الحسيني، القيادي بحزب الكرامة، إلى تجربة “اللجنة الشعبية لمؤازرة الشعب الفلسطيني”، مؤكداً أنها تميزت بالابتعاد عن النخبوية والتمدد في المحافظات، وهو ما أثمر عن مسيرات حاشدة وحملات مقاطعة ناجحة اعترفت شركات عالمية كبرى بالتأثر بها.
ودعا الحسيني المعارضة إلى وضع هدف واصل ومحدد: “يجب أن نصل للقرى والأرياف وليس فقط الأحياء الشعبية في المدن. نتبنى قضية واحدة ملموسة، ونحقق فيها نجاحاً، ثم ننتقل للقضية التالية عبر اجتماعات دورية لا تنقطع”.
تطوير الخطاب واختراق الحصار النقابي
وأجمعت بقية المداخلات على محورية الظهير الشعبي وتجديد الدماء؛ حيث أكد الدكتور طه طنطاوي أن أي حركة سياسية بدون ظهير شعبي تظل مجرد “ظاهرة صوتية للنخبة”.
فيما شددت المناضلة حياة الشيمي على تجربة تأسيس “نقابة الصحفيين المستقلة” للتعامل مع واقع الصحفيين المحرومين من القيد، داعية لاستغلال مقرات الأحزاب في المحافظات للتجمهر حول قضايا حية كـ “رغيف العيش والموقوفين سياسياً”.
واختتم محمد النمر، رئيس الحزب الناصري، الندوة بالدعوة إلى ثورة في الخطاب السياسية قائلاً: “مشكلتنا الكبرى هي لغة الخطاب الكلاسيكية القديمة. علينا تطوير لغتنا لجذب الأجيال الجديدة وكسر حاجز الاستقطاب والاستحواذ، وترجمة رؤانا السياسية إلى جدول أعمال واجتماعي عملي ملموس”.




