المحامي محمد وجدى الحسيني لـ«السلطة الرابعة»: قانون الإجراءات الجنائية الجديد يُغلق منافذ التحايل ويحمي المال العام

أكد الأستاذ محمد وجدي الحسيني، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم (174) لسنة 2025، والمقرر بدء العمل بأحكامه اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، يمثل نقلة نوعية في السياسة التشريعية المصرية، بعدما أرسى منظومة قانونية متكاملة للتدابير التحفظية، تستهدف غلق منافذ التحايل على تنفيذ الأحكام القضائية، ومنع تهريب الأموال المتحصلة من الجرائم، مع إخضاع جميع تلك الإجراءات لرقابة القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وقال الحسيني، في تصريحات خاصة لـ«السلطة الرابعة»، إن المشرع المصري أدرك أن نجاح العدالة الجنائية لا يقتصر على إصدار الأحكام، وإنما يمتد إلى ضمان تنفيذها، لذلك جاءت المواد من (143) حتى (151) لتضع إطارًا قانونيًا محكمًا يمنع التصرف في الأموال محل الجريمة أو تهريبها، ويحول دون إفلات الجناة من تنفيذ العقوبات المالية أو أحكام الرد والتعويض، وهو ما سيبدأ تطبيقه فعليًا مع دخول القانون حيز النفاذ في الأول من أكتوبر 2026.
وأوضح أن المادة (143) من القانون أجازت للنيابة العامة، متى قامت أدلة كافية على جدية الاتهام في الجرائم التي تمس المال العام أو الجرائم التي يوجب القانون فيها الحكم بالرد أو التعويض، أن تعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة بطلب منع المتهم من التصرف في أمواله أو إدارتها، ضمانًا لتنفيذ ما قد يُقضى به من غرامات أو رد أو تعويضات.
وأضاف أن المشرع منح النائب العام، عند الضرورة أو الاستعجال، سلطة إصدار أمر مؤقت بالمنع من التصرف أو الإدارة، على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة المختصة خلال سبعة أيام، وإلا اعتبر كأن لم يكن، وهو ما يعكس حرص القانون على سرعة التدخل لحماية الأموال، دون إهدار للرقابة القضائية.
وأشار الحسيني إلى أن المادة (144) ألزمت المحكمة الجنائية بإصدار حكمها خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ عرض الطلب، بعد سماع أقوال ذوي الشأن، مع وجوب تسبيب الحكم، مؤكدًا أن المشرع حرص على تحقيق التوازن بين سرعة الإجراءات وضمان حقوق الدفاع.
وأضاف أن من أبرز المستحدثات التي تضمنها القانون، جواز امتداد آثار التدابير التحفظية إلى أموال زوج المتهم وأولاده القصر، بل وحتى ورثته، متى ثبت للمحكمة بالأدلة الكافية أن تلك الأموال آلت إليهم من المتهم وكانت متحصلة من الجريمة، وذلك بعد إدخالهم في الطلب وتمكينهم من إبداء دفاعهم، وهو ما يغلق الطريق أمام أي محاولة لإخفاء الأموال أو نقلها إلى الغير بقصد الإفلات من تنفيذ الأحكام.
وأكد الحسيني أن هذا التنظيم لا يعني تحميل الزوجة أو الأبناء مسؤولية جنائية عن أفعال المتهم، وإنما يقتصر على الأموال التي يثبت بالدليل أنها متحصلة من الجريمة وانتقلت إليهم، احترامًا لمبدأ شخصية العقوبة الذي كفله الدستور والقانون.
وأوضح أن المادة (145) منحت لكل من صدر ضده حكم بالمنع من التصرف أو الإدارة حق التظلم أمام المحكمة الجنائية المختصة، كما أجازت التظلم من إجراءات التنفيذ ذاتها، وألزمت المحكمة بالفصل في التظلم خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يومًا، بما يرسخ الرقابة القضائية على هذه التدابير ويحول دون التعسف في استخدامها.
وفيما يتعلق بحرية التنقل، أشار الحسيني إلى أن المادة (149) أجازت للنائب العام أو من يفوضه، وكذلك لقاضي التحقيق المختص، إصدار أمر مسبب بمنع المتهم من السفر أو إدراجه على قوائم ترقب الوصول، إذا اقتضت ذلك ضرورات التحقيق أو حسن سير المحاكمة أو ضمان تنفيذ ما قد يُقضى به من عقوبات، مع كفالة حق المتضرر في التظلم أمام المحكمة المختصة وفقًا للمادة (150)، فضلًا عن جواز العدول عن الأمر أو تعديله إذا زالت أسبابه، طبقًا للمادة (151).
وشدد الحسيني على أن هذه النصوص تمثل أحد أهم مستحدثات قانون الإجراءات الجنائية الجديد، إذ تعكس فلسفة تشريعية حديثة تستهدف تجفيف منابع العائد الإجرامي، ومنع استغلال الثغرات القانونية لتهريب الأموال أو تعطيل تنفيذ الأحكام، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الضمانات الدستورية، وفي مقدمتها الرقابة القضائية، وحق الدفاع، وحق التظلم.
واختتم الأستاذ محمد وجدي الحسيني تصريحاته لـ**«السلطة الرابعة»** قائلًا:
“ومع اقتراب موعد بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الأول من أكتوبر 2026، فإننا أمام مرحلة تشريعية جديدة تستلزم استعدادًا كاملًا من جميع أطراف منظومة العدالة، ولا سيما القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامين، لاستيعاب فلسفة النصوص المستحدثة وحسن تطبيقها، بما يحقق التوازن بين حماية المال العام، وضمان تنفيذ الأحكام، وصون الحقوق والحريات التي كفلها الدستور. فالقانون لم يأتِ لتشديد الإجراءات بقدر ما جاء لترسيخ مبدأ سيادة القانون وغلق أبواب التحايل على تنفيذ الأحكام، بما يعزز الثقة في منظومة العدالة الجنائية.”




