حين يُحاكم الأسقف لأنه احترم القانون: دفاعٌ صريح عن مواقف الأنبا ميخائيل في أزمة كنيسة 15 مايو

في لحظات الاضطراب، تختلط المشاعر بالحقائق، ويعلو الصوت على الحكمة، ويُطالَب القائد الروحي بما لا يُطالَب به أحد: أن يُرضي الجميع حتى لو خالف القانون، وأن يُجامل الغضب ولو على حساب الكنيسة ذاتها.
هذا بالضبط ما يحدث اليوم في قراءة البعض لمواقف
نيافة الأنبا / ميخائيل أسقف حلوان والمعصرة، على خلفية أزمة سور كنيسة 15 مايو.
ما جرى في 15 مايو ليس لغزاً ولا مؤامرة، بل واقعة قانونية واضحة جرى تضخيمها عاطفياً.
الأرض المخصصة لبناء الكنيسة كانت معروفة الحدود، وأي توسع خارجها لم يصدر بقرار أسقفي، ولم يُعتمد كنسيًا.
وحين تدخلت أجهزة الدولة لإزالة التعدي، اختار الأنبا ميخائيل ألا يختبئ خلف المشاعر، ولا يساير الغضب، بل أعلن موقفًا صريحاً: الكنيسة تحترم القانون، وترفض أي تجاوز، حتى لو تم باسمها.
هذا الموقف، الذي يهاجمه البعض اليوم، هو في حقيقته موقف شجاع ونادر. فالأسهل دائماً هو الصمت، أو تحميل الدولة المسؤولية، أو ترك الأمور تنفلت إرضاءً للحشود.
لكن الأصعب « والأصدق رعوياً» هو أن تقول: الخطأ خطأ، مهما كانت النوايا، وأن حماية الكنيسة تبدأ من احترام الدولة لا من تحديها.
الهجوم على الأنبا ميخائيل في هذه اللحظة يتجاهل عمداً سجلًا كاملًا من المواقف السابقة داخل الإيبارشية، حين تدخل بحسم لوقف تجاوزات إدارية، أو إعادة الانضباط للخدمة، أو منع تحويل الكنائس إلى ساحات صراع وشعبوية.
هذه المواقف لم تكن يوماً موجهة ضد أشخاص، بل ضد الفوضى، ولم تكن انتقاماً، بل تصحيح مسار.
والأخطر في هذا المشهد، أن البعض يحاول تصوير الحزم الرعوي باعتباره قسوة، واحترام اللوائح باعتباره تخلياً عن الشعب، بينما الحقيقة أن الكنيسة التي تُدار بالعاطفة وحدها تُستنزف، وتُستدرج إلى صدامات لا تخدم أحداً.
القيادة الروحية ليست فن إرضاء الغضب، بل مسؤولية حماية الكيان.
وفي مقابل هذا الضجيج، يغيب الحديث عن الجانب الأكثر جوهرية في خدمة الأنبا ميخائيل:
النهضة الروحية الهادئة التي تشهدها كنائس الإيبارشية.
انتظام التعليم الكنسي،
إعادة الاعتبار للدور الروحي للكاهن، ضبط الخدمة،
ومقاومة تسييس الكنيسة أو تحويلها إلى منبر صراع.
هذه نهضة لا تصنع عناوين مثيرة، لكنها تصنع كنيسة متماسكة.

الكنيسة القوية لا تُقاس بعدد الأصوات الغاضبة، بل بقدرتها على الصمود أمام الأزمات دون أن تفقد روحها أو احترامها لذاتها وللدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم مواقف الأنبا ميخائيل اليوم ليس انحيازاً لشخص، بل انحياز لفكرة الكنيسة المنضبطة، الواعية، التي تعرف متى تحتضن ومتى تحسم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو محاكمة القائد لأنه رفض أن يُدار بالهتاف.
وأصدق ما يمكن قوله اليوم: إن ما فعله الأنبا ميخائيل في أزمة 15 مايو لم يكن ضعفاً، بل قوة، ولم يكن تخلياً، بل مسؤولية، وسيظل “مهما ارتفع الضجيج” موقفًا يُحسب له لا عليه.
رسالة إلى أبناء 15 مايو
إلى أبناء مدينة 15 مايو، الغيورين على كنيستهم ووجودهم الروحي: غضبكم مفهوم، وحرصكم محل تقدير، لكن الكنيسة لا تُحمى بالاندفاع، بل بالحكمة.
ما جرى ليس خصومة بين راعٍ وشعبه، ولا تخلياً عن حق الصلاة، بل محاولة لمنع خطأ من أن يتحول إلى أزمة أكبر تُستنزف فيها الكنيسة وتُستدرج إلى صدام لا طائل منه.
ثقوا أن الطريق القانوني — مهما بدا بطيئاً أو مؤلماً — هو الضمانة الوحيدة لبناء كنيسة ثابتة لا تهددها قرارات فجائية ولا تُستخدم ضدها الوقائع.
والرهان الحقيقي اليوم ليس على كسب معركة لحظية، بل على الحفاظ على وحدة الصف، وقدسية المكان، واستمرار الخدمة بأمان.
الكنيسة التي تُبنى بالحكمة تدوم ، والتي تُدار بالغضب تُستنزف.
اختاروا ما يبقى.




