محمد الجوهري يكتب: لام الشمسية.. لامٌ لا تُنطق… لكنها تفضح

«كلُّما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة» – ابن النّفَّري

ولعلّ هذا القول وحده يختصر تجربة مشاهدة مسلسل «لام شمسية»، حيث تُصبح الرؤية فعلًا وجوديًّا، يكشف هشاشة العالم من حولنا، لا نُشاهد المسلسل كمُتفرّجين، بل ككائناتٍ مأخوذة بالأسئلة التي لا إجابات لها، أسئلة لا تسعى لإقناعنا، بل لتقويض يقيننا بأنّ كل شيء على ما يُرام، لأن الحقيقة – كما يقول نيتشه – «ليست إلا كذبةً طالما آمنا بها طويلاً»، ومسلسل «لام شمسية» ينسف تلك الأكذوبة اليومية، أن الأطفال بخير، أن الصمت حماية، أن الأشياء التي لا تُقال… لا تُوجَد.

«لامٌ لا تُنطق… لكنها تحكم»

الاختيار العميق لاسم المسلسل، إحالة فلسفية عميقة إلى ما لا يُقال لكنه يتحكّم في المصير، اللام الشمسية، تلك التي لا نُسمعها في النُطق، تُحيلنا إلى تلك الانتهاكات التي تحدث في الظل، خارج الوعي الجمعي، خلف جدران البيوت والمدارس، في قلب المؤسسات التي يفترض أنها تحمي الطفل وتُربيه، إنّها لام «السلطة»، «السكوت»، «القهر»… لام الصمت الذي يكاد يُشبه «ثقافة العيب» التي نُجبر على الانحناء أمامها، حتى لو مات الأطفال حزنًا أو قهرًا.

الدراما كفعل مقاومة

في زمن أصبح فيه الفن تابعًا للترفيه السريع، اختار صُنّاع «لام شمسية» أن يعودوا إلى الدراما كمساحة تفكير، كما كتب إدوارد سعيد في تمثيلات المثقف: «المثقف الحقيقي هو الذي يُقلق النظام لا يُسهم في تهدئته»، وهكذا كانت الدراما هنا، مُقلِقة، مُربِكة، تهدم التواطؤ الجَماعي الذي يجعل من التنمّر والتحرّش والإهمال أفعالًا «عابرة» في زمنٍ غريب.

بطلتها «نيللي»، امرأة مأزومة، تَكتشف أن الوظيفة عبء أخلاقي، كأنّها تعيد قول جان بول سارتر: «الإنسان مُدان بالحرية»، فحين ترى أمامها الأطفال يُسحقون بصمت، تُدرك أن السكوت خيانة، وأنّ الحياة اليومية، حين تُفرغ من معناها، تتحوّل إلى قبرٍ مفتوح.

من التنمّر إلى الفضيحة.. جسد الطفل كمساحة للعنف

لامٌ لا تُنطق… لكنها تفضح
حين يصبح صمتنا شريكًا في الجريمة

الجسد الطفولي في المسلسل ليس بريئًا كما في الصور النمطية، بل هو مُحمّل بجراحٍ خفية، الجسد هنا هو «نصّ» كُتب عليه العنف بلغةٍ لا تُقرأ، الجسد في «لام شمسية» مُفجّر بالصمت، بالعجز، بالفضيحة التي تُخيف الأهل أكثر من الألم، هنا يصبح الطفل ساحة معركة، ليس فقط بين الخير والشر، بل بين «الحقيقة» و«الستر»، بين المواجهة والتواطؤ.

الطفل لا ينسى، الزمن لا يشفي، والذاكرة – كما كتب بول ريكور – «ليست مرآة، بل ساحة جرحٍ مفتوح».

البيت.. ملاذ أم قيد؟

في بنية سردية تتعقّب التفاصيل، يُظهر المسلسل البيوت المصرية لا كملاذات آمنة، بل كأماكن تُعيد إنتاج القهر، الأم تُسكت الطفل «عشان ما نفضحش نفسنا»، والأب مشغول بـ«لقمة العيش»، بينما ينهار الطفل بصمتٍ، كتمثالٍ هشٍّ في عاصفة، البيت هنا يُشبه بيت «سيدة القصر» في روايات إحسان عبد القدوس، فخم، لكنه خالٍ من المعنى.

إلى أين يأخذنا المسلسل؟

ربما لن يُغيّر المسلسل العالم، وربما يُقال إنه صرخة في وادٍ، لكنّ الفكرة – كما يقول محمود درويش – «لا تموت، حتى لو خُنِقت»، «لام شمسية» تذكير أنّنا جميعًا نعيش في بنية هشّة، وأنّ السؤال عن العنف ضد الأطفال ضرورة أخلاقية.

وفي زمنٍ يُقاس فيه النجاح بعدد المشاهدات، اختار صُنّاع المسلسل أن يُقاس عملهم بعمق الأسئلة التي يُثيرها، وهل نملك، في هذا الزمن، ما هو أصدق من الأسئلة؟

ربما لن نعثر على إجابة، لكنّ السؤال وحده – كما قال ألبير كامو – «هو تمردٌ ضد العبث».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
رجل الأعمال معتز أباظة يُطلق مركز "vitamina" للجمال بشراكة إسبانية.. تعزيزًا لريادة مصر الإقليمية جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور تُطالب بالإفراج عن السجناء: "رمضان مضى والعيد انقضى.. أين القرار المُنتظر؟ زفاف مبارك حزب الجبهة الديمقراطية المصرية يُدين العدوان الصهيوني الأمريكي ويطالب بقطع التطبيع ومحاسبة الاحتلال السيادة المصرية لا تُمس... رفض شعبي وسياسي لادعاءات إسرائيل بشأن سيناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي: نرفض التهديدات الصهيونية لمصر.. وندعو لمراجعة استراتيجية لسياسات الدولة قبل "اجتياح الطوفان" أنتبهوا ..تنمر أولادنا على مرافق وسائل المواصلات ....ناقوس خطر يدق بيوتنا فرنسا تجدد دعمها لسيادة المغرب على صحرائه حزب الجبهة الديمقراطية يُكرم الإعلامية جميلة إسماعيل: رمز الكفاح من أجل الحرية والعدالة وكيل دفاع النواب: الاستفزازات الإسرائيلية كارثية ومكالمة ترامب والسيسي بارقة أمل لإنقاذ السلام الجيش المصري عقيدته الشرف والأمانه والإعلام الإ...