حكومة على المحك: لماذا أصبح التعديل الوزاري في مصر مسألة حتمية؟

لم يعد التعديل الوزارى فى مصر سؤالًا افتراضياً تتناقله الصالونات السياسية ، بل تحوّل إلى استحقاق تفرضه لحظة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية ،
لحظة لم تعد تحتمل الوجوه ذاتها ، ولا الخطاب ذاته ، ولا منطق “الاستمرار حتى إشعار آخر”.
فالدولة لا تواجه أزمة قطاع واحد ، بل أزمة تراكُم أثقال فى ملفات تمس المواطن مباشرة ، حيث بات بقاء بعض الوزراء — لا أداؤهم فقط — محل تساؤل.
الاقتصاد: حين تتحول الأرقام إلى عبء سياسى
المشكلة الاقتصادية فى مصر لم تعد محصورة فى معدلات التضخم أو سعر الصرف ، بل فى الفجوة الواسعة بين ما يُقال وما يُعاش.
على مدار الشهور الماضية ، قدّمت المجموعة الاقتصادية شروحات متكررة ، لكنها فشلت فى تقديم طمأنينة حقيقية.
الخلل لم يعد تقنياً بقدر ما هو خطاب نخبوى لا يصل للشارع،
سياسات بلا ترجمة يومية واضحة ،
إدارة أزمة بمنطق التبرير لا الاحتواء ،
لهذا، باتت حقائب مثل:
المالية
التخطيط والتنمية الاقتصادية
التجارة والصناعة
في صدارة التحليل السياسي بوصفها الأكثر عرضة للتغيير ،
ليس تحميلًا للمسؤولية الكاملة ، بل إدراكًا بأن المرحلة القادمة — إن أرادت الدولة استعادة الثقة —
تحتاج عقولًا أقل استهلاكاً ووجوهًا أكثر قدرة على التواصل.
التعليم: إصلاح بلا توافق مجتمعى فى ملف التعليم ،
لم يكن الإشكال فى نوايا الإصلاح ، بل فى طريقة فرضه.
قرارات مصيرية اتُّخذت دون تمهيد اجتماعى كافٍ ،
ومعلمون تحوّلوا من شركاء إلى متلقين ، وأسر شعرت أن أبناءها حقل تجارب مفتوح.
هذه العوامل وضعت وزارة التربية والتعليم فى قلب دائرة النقد ، وجعلت رحيل الوزير — تحليلياً — أحد السيناريوهات المطروحة بقوة ، بينما يبقى وزير التعليم العالى مرشحاً للتغيير فى حال اتجه التعديل ليكون واسعاً ويعيد ضبط المنظومة التعليمية بأكملها.
الصحة: الجهد لا يكفى إن غابت الرسالة بعد جائحة كورونا ،
دخل ملف الصحة مرحلة مختلفة ، أصبح فيها التواصل مع المواطن جزءًا لا يتجزأ من كفاءة الإدارة.
ورغم الجهود المبذولة ، برزت إشكاليات واضحة:
بطء فى الاستجابة للأزمات المفاجئة ،
ضعف الحضور الإعلامى ،
شعور المواطن بأنه يواجه المنظومة وحيداً
وهو ما يفتح الباب — سياسياً — أمام احتمال تغيير وزير الصحة ،
إذا رأت الدولة أن المرحلة المقبلة تتطلب شخصية أكثر التصاقاً بالشارع وأسرع فى إدارة الطوارئ.
التموين: الرغيف خط أحمر فى دولة بحجم مصر ،
لا يُدار ملف التموين بالأرقام وحدها.
الخبز سلعة سياسية ، وأى ارتباك فى السوق يتحوّل فوراً إلى أزمة ثقة.
التأخر فى القرارات ، وضعف الخطاب التطمينى ،
وتسارع الأسعار ، جعل وزارة التموين ضمن الحقائب
التى يُتوقع أن تطالها التغييرات فى حال اختارت الدولة تعديلًا محدوداً يستهدف تخفيف الضغط المعيشى.
من ينجو من التعديل؟
تشير القراءة العامة إلى أن:
الوزراء الأقل صخباً ، والأبعد عن الاحتكاك اليومى ،
والأكثر التزاماً بالعمل فى الظل هم الأوفر حظاً فى الاستمرار ، إذ تميل الدولة فى هذه المرحلة إلى تغيير الوجوه المستهلكة لا كل المشهد.
الخلاصة: قرار مؤجل لا ملغى
التعديل الوزاري القادم — إن حدث — لن يكون إدانة لأشخاص ، بل اعترافًا بأن بعض الحقائب لم تعد قادرة على حمل ثِقَل المرحلة.
فى السياسة،
أحيانًا لا يكون التغيير اعترافاً بالفشل ، بل محاولة أخيرة لإنقاذ الثقة.




