الإنهاك الوطني… الخطر الصامت

في حياة الدول لحظات تمر فيها الأزمات كما تمر العواصف؛ تضرب بقوة ثم تنحسر، وتترك خلفها آثارًا يمكن مع الوقت إصلاحها أو تجاوزها. لكن هناك نوعًا آخر من اللحظات يكون أكثر تعقيدًا وخطورة، لأنه لا يأتي في صورة عاصفة واضحة، بل يتسلل بهدوء إلى المجتمع، ويتراكم تدريجيًا حتى يصبح جزءًا من المزاج العام. هذه اللحظة يمكن وصفها بما يُسمى الإنهاك الوطني؛ الحالة التي لا يكون فيها المجتمع غاضبًا بما يكفي للانفجار، ولا مطمئنًا بما يكفي للحماس، بل يعيش بين التعب والصبر، وبين الاحتمال والانتظار.
في مصر اليوم، لا يبدو صعبًا ملاحظة ملامح هذه الحالة. فسنوات متتالية من الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعت قطاعًا واسعًا من المواطنين في مواجهة يومية مع معادلة صعبة: كيف يمكن الحفاظ على استقرار الحياة العادية في ظل متطلبات لا تتوقف وقدرات محدودة تتآكل ببطء؟ المواطن الذي يقضي يومه وهو يحاول موازنة دخله مع احتياجات أسرته لا يعيش مجرد أزمة مالية، بل يعيش حالة استنزاف نفسي متواصل، تجعل معظم طاقته موجهة إلى النجاة اليومية، لا إلى التفكير في المستقبل أو الانخراط في الشأن العام.
ويزداد هذا الشعور بالإنهاك حين يتزامن الضغط الداخلي مع توترات إقليمية متصاعدة. فالمنطقة بأكملها تعيش منذ شهور على إيقاع حرب مفتوحة في الشرق الأوسط، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالسياسية والإنسانية، وتخلق حالة من القلق العام لدى شعوب المنطقة كلها. والمواطن في مصر، مثل غيره في دول الإقليم، يتابع ما يحدث حوله وهو يدرك أن بلده جزء من هذا المشهد المضطرب، وأن أي تطور كبير قد يضيف طبقة جديدة من الضغوط فوق ما يعيشه بالفعل.
لكن أهمية الحديث عن الإنهاك الوطني لا تكمن فقط في وصف الحالة، بل في فهم أثرها على العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمجتمع المُنهك لا يكون بالضرورة مجتمعًا غاضبًا أو متمردًا، لكنه أيضًا لا يكون مجتمعًا متحمسًا أو مبادرًا. هو مجتمع يميل إلى الصمت أكثر من المشاركة، وإلى الاحتمال أكثر من النقاش، وإلى الانكفاء على دوائر الحياة الصغيرة بدل الانخراط في القضايا العامة. وقد يبدو هذا الهدوء الظاهري وكأنه استقرار، لكنه في الحقيقة استقرار هش، لأن الطاقة التي تحافظ على حيوية المجتمعات ليست مجرد القدرة على الاحتمال، بل القدرة على الأمل.
ولهذا تصبح الطريقة التي تُدار بها الدول في لحظات الإنهاك مسألة شديدة الحساسية. فحين يكون المجتمع متعبًا، لا يكفي أن تستمر الدولة في العمل بالمنطق نفسه الذي يصلح في اللحظات العادية. إدارة هذه اللحظات تحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية، وإلى خطاب أكثر قربًا من الناس، وإلى قدرة حقيقية على جعل المواطنين يشعرون أن ما يتحملونه اليوم ليس مجرد تضحية بلا نهاية، بل جزء من مسار واضح يمكن أن يقود إلى نتيجة ملموسة. فالناس قد تصبر طويلًا إذا فهمت لماذا تصبر، وقد تتحمل صعوبات كبيرة إذا شعرت أن الطريق الذي تسير فيه له نهاية يمكن تصورها.
التاريخ يخبرنا أن الدول لا تنهار بسبب الأزمات وحدها، بل بسبب الطريقة التي تتعامل بها مع إرهاق مجتمعاتها. المجتمعات القوية ليست تلك التي لا تتعب، بل تلك التي تجد من يقودها في لحظة التعب، ويعيد ترتيب العلاقة بين الجهد والنتيجة، وبين التضحية والأمل، وبين الصبر والهدف الذي ينتظره الجميع في نهاية الطريق.
لكن الحديث عن الإنهاك الوطني لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التشخيص، لأن المجتمعات لا تتعافى من الإرهاق بالصدفة، بل بقرارات واعية تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والناس. فالدولة، حين تدرك أن المجتمع يمر بلحظة تعب حقيقية، يصبح من واجبها أن تتعامل مع هذه اللحظة بقدر أكبر من الإنصات والوضوح، وأن تُفسح مساحة أوسع للحوار المجتمعي الصادق، لا باعتباره ترفًا سياسيًا بل باعتباره أداة ضرورية لاستعادة الثقة والطاقة العامة. فالمواطن حين يشعر أن صوته مسموع، وأن معاناته مفهومة، وأن الدولة لا تكتفي بإدارة الأرقام بل ترى أثرها في حياة الناس، يصبح أكثر قدرة على الصبر والمشاركة وتحمل الصعوبات.
وفي المقابل، فإن المجتمع نفسه لا يمكن أن يكتفي بدور المتفرج المنهك. فالتجارب الكبرى في حياة الدول تُظهر أن الشعوب التي تنجح في تجاوز لحظات التعب ليست تلك التي تنتظر الحلول من أعلى فقط، بل تلك التي تحافظ على قدرتها على التضامن والعمل المشترك، وتتمسك بالقيم التي تعيد ترميم الثقة داخل المجتمع نفسه، من احترام العمل والإتقان، إلى مساندة الفئات الأكثر ضعفًا، إلى الإيمان بأن تجاوز الأزمات لا يتحقق بالانسحاب من المجال العام بل بالمشاركة الواعية فيه.
ولهذا فإن اللحظة الحالية، رغم صعوبتها، قد تكون أيضًا فرصة لإعادة التفكير في طريقة إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث لا يظل المواطن مجرد متحملٍ للأعباء، ولا تظل الدولة وحدها في مواجهة الضغوط، بل يتحول الطرفان إلى شريكين في مسار طويل لإعادة بناء الثقة والطاقة العامة معًا. فالدول لا تخرج من لحظات الإنهاك بالقرارات الاقتصادية وحدها، بل حين يشعر المجتمع كله أن التعب الذي يعيشه اليوم ليس طريقًا بلا نهاية، بل مرحلة يمكن تجاوزها إذا توافرت الإرادة، والصدق، والإحساس الحقيقي بالشراكة.




