أمير عبدالمسيح يكتب للسلطة الرابعة : “نيران القواعد” تدق ناقوس الخطر: هل تستوعب العواصم العربية الدرس قبل فوات الأوان؟.. القادم أسوأ لمن لم يتعلم “خديعة الحماية”

تحت وطأة الصواريخ التي استهدفت القواعد العسكرية مؤخراً، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة صناع القرار في الدول العربية: هل منحت هذه القواعد “الأمان” المنشود، أم أنها تحولت إلى “مغناطيس” لجلب النيران والتوترات إلى عواصمنا؟
لقد ساد لسنوات اعتقاد مفاده أن الوجود العسكري الأمريكي على أراضي المنطقة هو صمام أمان وضمانة ضد أي استهداف خارجي. لكن القراءة الواقعية للمشهد الراهن تُثبت عكس ذلك تماماً؛ إذ يبدو أن واشنطن تكتفي بدور المتفرج أو “المستفيد” من وجود خطوط دفاعية بعيدة عن حدودها القارية، بينما تظل الدول المستضيفة هي التي تواجه مخاطر التدمير المباشر والقلق الوجودي.
المحنة كفرصة: حجة السيادة المشروعة
إن الدول العربية التي نالت نيران الصواريخ الإيرانية نصيباً من أراضيها بسبب وجود هذه القواعد، أمام لحظة فارقة تستوجب تحويل المحنة إلى منحة. فهذا الاستهداف يمنح هذه الدول “حجة شرعية وقانونية” أمام المجتمع الدولي وأمام الإدارة الأمريكية نفسها، للمطالبة بإنهاء هذا الوجود العسكري.
لقد سقطت ذريعة “الحماية” حينما تحولت تلك القواعد إلى مصدر تهديد مباشر لأمن المواطنين العرب وبنيتهم التحتية. لذا، فإن استغلال هذا الحدث لإعلان عدم الموافقة على استمرار إقامة القواعد العسكرية هو حق سيادي مشروع، بل وواجب وطني لحماية الأراضي من أن تكون “ساحة لتصفية الحسابات” بين القوى الكبرى والإقليمية.
المتغطي بأمريكا.. والمواجهة العارية
هنا تتجسد المقولة السياسية الشهيرة التي أثبتت الأيام دقتها: “المتغطي بأمريكا عريان”. فالحقيقة المرة التي تتجلى مع كل تصعيد هي أن الولايات المتحدة لا تسارع لفرض “هدنة” تحمي حلفاءها من وطأة الدمار، ولا تسعى لتهدئة تضمن لهذه الدول العيش بمنأى عن التوتر القادم، بل غالباً ما تدار الأزمات بما يخدم المصالح الاستراتيجية العليا لواشنطن أولاً.
عقيدة “ترامب” وتعدد الأعداء
تزداد الخطورة مع سياسات “ترامب” التي تتسم ببراغماتية حادة وتعدد الخصوم. فمن الحروب التجارية مع الصين، إلى العداء مع القوى النووية الكبرى ودعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، أصبحت أمريكا طرفاً في صراعات عالمية لا ناقة لدول المنطقة فيها ولا جمل. إن الانخراط في هذه الاستقطابات يجعل من أراضي المنطقة أهدافاً محتملة، ليس حباً في تدميرها، بل رداً على السياسات الأمريكية التي تتخذ من عواصمنا “دروعاً بشرية”.
بوصلة الأولويات: الداخل أولاً
لا يفوتنا هنا الإشارة إلى تلك المليارات التي أغدقها البعض على الإدارة الأمريكية لكسب “الود” السياسي. إن التجربة أثبتت أن التودد لواشنطن لا يشتري أمناً مستداماً. فكان الأولى أن توجّه هذه الثروات لبناء الداخل، وتنمية قدرات أبناء الوطن، وتعزيز السيادة الوطنية المستقلة بعيداً عن الارتهان لقوى تبيع حلفاءها عند أول مفترق طرق.
الخلاصة:
إن لم تتعلم دول المنطقة من دروس “نيران القواعد” اليوم، فمتى تتعلم؟ إن إخراج القواعد العسكرية وتحويل هذه “المحنة” إلى “منحة” سيادية لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة أمنية قصوى. فالتجارب أثبتت أن من يتغطى بوعود واشنطن، لن يجد نفسه في أمان، بل سيجد نفسه وحيداً في مواجهة النيران وفداءً لمصالح لا تخدمه.. وعلى الجميع أن يدرك: إن لم يُستوعب الدرس الآن، فإن القادم سيكون أسوأ وأكثر كلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!