رمضان واختبار الإنصاف

مع بداية كل شهر رمضان يتكرر مشهد بات مألوفًا إلى حد الاعتياد، فلا يقتصر الحديث على مضمون الأعمال الدرامية أو رسائلها أو مستواها الفني، بل يمتد سريعًا إلى أرقام الأجور وتكلفة الإنتاج وحجم الإعلانات وحصص الجمعيات من “موسم التبرعات”، وكأن الشهر الذي كان يُنظر إليه باعتباره مساحة لإعادة ترتيب الروح، أصبح أيضًا مساحة مفتوحة لحساب الأرباح والخسائر، وتتحول المجالس ومنصات التواصل إلى ما يشبه ميزانًا اجتماعيًا تُوزن عليه القيم بالأرقام لا بالمعاني، ويُقاس فيه النجاح بما يُدفع لا بما يُقدَّم.
المشكلة هنا لا تكمن في وجود صناعة فنية مزدهرة، ولا في نجاح ممثل أو ارتفاع ميزانية إنتاج، ولا حتى في تنافس الجمعيات على جمع التبرعات، فكل ذلك جزء طبيعي من حركة المجتمع والسوق، وإنما تكمن في مركزية الرقم داخل وعينا الجمعي، وفي أن يصبح السؤال الأول الذي يتقدم أي نقاش هو “قبض كام؟” لا “قال إيه؟”، وأن تتحول القيمة تدريجيًا إلى ما يُعلن عنه من أجر أو تكلفة، لا ما يُبنى من معنى أو أثر، وهو ما يكشف عن خلل أعمق من مجرد فضول موسمي أو مقارنة عابرة، لأنه يعكس تحولًا بطيئًا في ميزان التقدير داخل المجتمع نفسه.
رمضان، في معناه الأصيل، شهر يعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر الإنسان بأن المعنى يسبق المظهر، وأن الجوهر يسبق الصورة، وأن القيم لا تُقاس بحجم الإعلان ولا بارتفاع التكلفة، لكن حين يتسلل منطق السوق إلى قلب هذا الشهر لا بوصفه نشاطًا اقتصاديًا طبيعيًا بل بوصفه معيارًا للحكم على كل شيء، فإننا لا نكون أمام ظاهرة عابرة، بل أمام انعكاس لتحول أوسع في منظومة القيم، حيث تتراجع الكفاءة الهادئة أمام الظهور الصاخب، وتتراجع المهنة الجوهرية أمام الحضور الإعلامي، ويتحول النجاح إلى ما يُرى لا ما يُنجز، وإلى ما يُتداول رقميًا لا ما يُراكم أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.
وحين يقارن الناس بين أجر ممثل في عمل واحد ودخل طبيب في عام كامل، فإنهم لا يعترضون على النجاح في حد ذاته، بل يعبرون عن إحساس دفين بعدم الإنصاف، إحساس يتراكم بصمت ويقول إن ميزان القيمة لم يعد متوازنًا، وإن الطريق إلى المكانة لم يعد يمر دائمًا عبر الجهد أو العلم أو الخدمة العامة، بل عبر الضوء والانتشار، وهذا الإحساس، إن تُرك دون مراجعة، لا يبقى مجرد تعليق ساخر أو جدل موسمي، بل يتحول تدريجيًا إلى شعور عام بأن العدالة الرمزية مختلة، وأن الجهد لا يُقابل بما يستحق من تقدير.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الفن أو الإعلان لتلامس جوهر الاستقرار نفسه، لأن الاستقرار الحقيقي لا يبدأ من الأرقام وحدها، بل من شعور الإنسان بأن هناك إنصافًا في التقدير، وأن المجتمع يكرم من يعلّم ويعالج وينتج كما يكرم من يبدع على الشاشة، وأن ميزان الاحترام لا ينحاز بالكامل لمن يتصدر المشهد على حساب من يبني بصمت، فالمجتمع قد يتحمل ضغوطًا اقتصادية، وقد يصبر على قرارات صعبة، لكنه يصعب عليه أن يتعايش طويلًا مع إحساس دائم بأن معايير التقدير مختلة، لأن الإحساس بالإنصاف ليس رفاهية أخلاقية بل شرط نفسي واجتماعي لبقاء الثقة والانتماء، وهو أحد الأعمدة غير المرئية التي يقوم عليها أي استقرار حقيقي.
ومن هنا يصبح السؤال سياسيًا بامتياز، لا بمعنى الصراع أو المواجهة، بل بمعنى المسؤولية عن اتجاه المجتمع وقيمه: هل يُترك ترتيب سلم التقدير بالكامل لقواعد السوق وحدها، أم أن للدولة، عبر إعلامها وتعليمها وسياساتها العامة، دورًا في إعادة التوازن، وفي توجيه رسالة واضحة بأن الشهرة لا تلغي قيمة المهنة، وأن الضوء لا يطغى على الجهد، وأن النجاح لا يُختزل في الرقم؟ فالأدوات التي تُشكّل وعي الأجيال ليست محايدة، والرسائل المتكررة تصنع مع الوقت تصورًا جديدًا للقدوة، وتعيد تعريف معنى التفوق والطموح، وتحدد أي طريق يراه الشاب أقصر وأجدر بالسعي.
الخلل في القيم لا يظهر في الصدامات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي نعتادها حتى تصبح طبيعية، وفي المقارنات التي تتكرر حتى تتحول إلى معيار، وفي النقاشات التي تبدأ بالأرقام وتنتهي عندها، ولذلك فإن الجدل الرمضاني حول الأجور والإعلانات ليس مجرد ضجيج موسمي، بل مرآة تعكس حاجة أعمق لإعادة ضبط ميزان التقدير داخل المجتمع، لأن الدولة التي تُنصف قيمها وتوازن بين رموزها، تُحصّن استقرارها من الداخل، أما الدولة التي تترك الميزان يختل طويلًا، فإنها تخاطر بفجوة صامتة تتسع ببطء بين الإنسان ووطنه، فجوة قد لا تُرى في صورة احتجاج، لكنها تظهر في انسحاب هادئ، أو في هجرة صامتة، أو في تراجع الدافعية، أو في شعور مكتوم بأن الطريق لم يعد واضحًا وأن الجهد لم يعد مضمون القيمة.
ويبقى السؤال مفتوحًا، كما ينبغي أن يكون، لا بوصفه اتهامًا ولا شكوى موسمية، بل بوصفه مراجعة هادئة لمعنى الاستقرار نفسه: هل نرى في هذا الجدل المتكرر كل عام مجرد موسم أرقام يمر وينتهي، أم نقرأ فيه اختبارًا حقيقيًا لمعنى الإنصاف في مجتمع يبحث عن استقرار طويل المدى، استقرار لا يُبنى بالخرسانة وحدها، ولا بالمؤشرات وحدها، بل بإعادة الاعتبار للميزان الأخلاقي الذي يطمئن الناس إلى أن مجتمعهم يعرف كيف يزن رموزه، وكيف يحفظ مكانة من يبني ويعلّم ويعالج ويدافع، كما يحتفي بمن يبدع ويُسلّي، لأن الإنصاف في النهاية ليس مساواة حسابية جامدة، بل توازن يرسخ الثقة، ويعيد للجهد معناه، ويمنح الإنسان شعورًا بأن له مكانًا مستحقًا في وطنه، قبل أن يصبح الرقم وحده هو الحَكم، ويصبح المعنى مجرد تفصيل هامشي في موسم الارقام.




