لماذا لن يشعر الناس بالتغيير؟

على مدار ثماني سنوات كاملة عاش المواطن المصري تحت ضغط اقتصادي ومعيشي متواصل، سنوات ثقيلة تراكمت خلالها الأعباء، وتغيرت فيها تفاصيل الحياة اليومية للناس، لا بسبب قرار واحد أو ظرف عابر، بل نتيجة مسار طويل من السياسات والقرارات التي انعكست بشكل مباشر على قدرته على الاحتمال، وهي معاناة لم تعد خافية على أحد، بل اعترفت بها الحكومة نفسها، وعلى رأسها رئيس مجلس الوزراء، الذي قال أكثر من مرة وبوضوح إن هذه السياسات أوجعت الناس، وإن ما جرى كان قاسيًا، وإن الظروف التي مرت بها البلاد، داخليًا وخارجيًا، فرضت هذا الثمن.
وهنا، لا يكون الهدف استعادة ما مضى ولا محاكمة أسبابه، لأن الناس لم تعد تبحث عن تفسير لما عاشته، بقدر ما تبحث عن إحساس بأن ما تحمّلته لم يذهب سدى، وأن هناك نهاية واضحة لهذا الطريق، خصوصًا بعد أن خرجت الحكومة خلال الشهور الثلاثة الماضية بتصريحات متكررة تؤكد أن وقت جني الثمار قد حان، وأن المواطن المصري سيشعر بتغيير حقيقي في حياته، وهو كلام، مهما كانت نواياه، اصطدم مباشرة بواقع يومي ما زال قاسيًا، أسعار ترتفع، ضغوط لا تهدأ، وأعباء لم تتراجع بعد، فكان طبيعيًا أن يشعر كثير من الناس بأن هذه الوعود لا تمس حياتهم الفعلية، ولا تعبر عما يروه كل يوم.
المشكلة هنا لم تعد في صدق الوعد من عدمه، بل في الشعور الذي استقر داخل الناس بعد سنوات طويلة من المعاناة، شعور فقدان الثقة، ذلك الشعور الذي لا يأتي فجأة ولا يختفي بسهولة، والذي يجعل المواطن، مهما سمع من كلام مطمئن، غير قادر على التفاعل معه، ليس عنادًا ولا رفضًا للأمل، بل لأن التجربة علمته الحذر، ولأن الذاكرة لا تنسى بسهولة ثماني سنوات أو أكثر ارتبط فيها نفس الخطاب ونفس القيادة الحكومية بمرحلة ثقيلة في حياته.
ولهذا، يصبح من الصعب جدًا إقناع المواطن بأن مرحلة جديدة قد بدأت بينما الوجوه نفسها ما زالت في الصدارة، فالناس لا تفصل بين السياسات ومن يتحدث باسمها، ولا بين القرارات ومن يتحمل مسؤوليتها أمامهم، وحتى لو بدأت مؤشرات تحسن حقيقية في الظهور، فإن الإحساس بها يظل ضعيفًا، ومؤجلًا، ومصحوبًا بالشك، طالما أن الشعور العام لم يتغير.
من هنا، كان تعديل الحكومة في حد ذاته خطوة متوقعة، لكن الإبقاء على نفس رئيسها بعد هذه السنوات الطويلة كان قرارًا يحتاج إلى حساسية سياسية واجتماعية مختلفة، لأن المرحلة لم تكن تحتاج فقط إلى إدارة مختلفة، بل إلى إحساس مختلف، إلى وجه جديد، ولغة جديدة، وشخص يستطيع أن يقف أمام الناس ويتحدث إليهم بصدق وبساطة، لا ليبرر، ولا ليطلب منهم مزيدًا من التحمل، بل ليعترف بما يشعرون به، ويقول لهم إن غضبهم مفهوم، وإن شكهم طبيعي، وإن الثقة التي تضررت تحتاج إلى وقت وجهد لإعادتها.
وهنا يبرز جوهر الفكرة بوضوح: ما كانت تحتاجه هذه المرحلة هو رئيس وزراء سياسي، لا بالمعنى الحزبي أو الصدامي، ولا بمعنى الشعارات والخطابة، بل بالمعنى الذي يجعل السياسة أداة لإدارة العلاقة مع المجتمع، لا مجرد غطاء إداري للقرارات. رئيس وزراء يدرك أن الأزمات الاقتصادية ليست أرقامًا فقط، بل تجارب إنسانية عاشها الناس، وأن إدارتها لا تكون بالجداول وحدها، بل بالإنصات، وبالقدرة على شرح الطريق، وبالاعتراف الصريح بما جرى.
كان المطلوب رئيس وزراء سياسي قادر على مخاطبة المواطن بلغته، لا بلغة البيانات، وعلى إشراكه معنويًا في الطريق المقبل، لا باعتباره متلقيًا للقرارات، بل شريكًا في التغيير، يشعر أن الحكومة لا تطلب منه الصبر مرة أخرى، بل تمد له يدها لتبدأ صفحة جديدة هدفها الاستقرار الحقيقي، وتحسن ملموس يشعر به في تفاصيل حياته قبل أن يسمعه في التصريحات.
فالسياسة، في لحظات كهذه، لا تُقاس فقط بالأرقام ولا بالخطط، بل بقدرتها على ترميم ما انكسر داخل الناس، على إعادة بناء الثقة، وعلى خلق إحساس بأن هناك بداية مختلفة بالفعل. لأن أي تحسن، مهما كان حقيقيًا، لن يجد طريقه إلى قلوب المواطنين ما لم يسبقه شعور صادق بالاختلاف، وبأن الدولة تفهم ما عاشوه، وتقدّر ما تحملوه، وتدرك أن الثقة حين تُستنزف، لا تُستعاد بالكلام، بل بتغيير يشعر به الناس قبل أن يقرؤوه .




