هل اقتصاد المعرفة رفاهية أم ضرورة؟
يعد الاقتصاد في عالم اليوم قائمًا على ما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو قدرات إنتاجية تقليدية، بل أصبح قائمًا بالأساس على ما تمتلكه من معرفة وما تستطيع تحويله من أفكار إلى قيمة مضافة حقيقية.و من هنا برز مفهوم اقتصاد المعرفة باعتباره الإطار الحاكم للاقتصادات الحديثة، حيث تصبح المعلومة والبحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا عناصر رئيسية في تحقيق النمو والتنمية المستدامة.
ومن ثم يقوم اقتصاد المعرفة على الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر، فالإنسان المتعلم القادر على التفكير النقدي والإبداعي هو المحرك الحقيقي للإنتاج والتقدم. وفي هذا السياق، لم يعد التعليم مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل أصبح عملية مستمرة لبناء القدرات وتحديث المهارات بما يتوافق مع المتغيرات السريعة في سوق العمل العالمي. واستطيع ان اقول ان منظومة البحث العلمي تلعب دورًا محوريًا في تحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية تسهم في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
وتكتسب التكنولوجيا والتحول الرقمي أهمية خاصة في اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت التقنيات الحديثة وسيلة رئيسية لرفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع نطاق الأسواق، فضلًا عن دورها في تقليص الفجوة بين المنتج والمستهلك. ومع التطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والاتصالات، باتت الدول التي تتأخر عن مواكبة هذا التحول أكثر عرضة للتهميش الاقتصادي وفقدان القدرة التنافسية.
ولذا يمثل اقتصاد المعرفة فرصة حقيقية لتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة، إذ يفتح المجال أمام الإبداع الفردي وريادة الأعمال، ويمنح الشباب فرصًا قائمة على الكفاءة والابتكار لا على الامتلاك أو النفوذ. كما يسهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية التي تتسم بالنضوب أو التقلب، مما يعزز من قدرة الدول على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية.
ورغم ما يحمله اقتصاد المعرفة من فرص واعدة، إلا أن الانتقال إليه لا يخلو من تحديات، خاصة في الدول النامية، حيث تعوقه مشكلات تتعلق بجودة التعليم، وضعف الإنفاق على البحث العلمي، وهجرة الكفاءات، إضافة إلى الفجوة الرقمية وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى التكنولوجيا. ويستلزم تجاوز هذه التحديات وجود إرادة سياسية واعية تعتبر المعرفة قضية أمن قومي، وتسعى إلى بناء بيئة تشريعية ومؤسسية داعمة للابتكار وتحمي حقوق الملكية الفكرية.
وارى انه فى السياق المصري، تمتلك الدولة رصيدًا بشريًا ضخمًا يؤهلها للانخراط الفعّال في اقتصاد المعرفة، غير أن تحقيق ذلك يتطلب رؤية متكاملة لإصلاح منظومة التعليم، وربط مخرجاتها باحتياجات السوق، وتعزيز دور الجامعات ومراكز البحث في خدمة قضايا التنمية، إلى جانب دعم الصناعات القائمة على التكنولوجيا وتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني.
إن اقتصاد المعرفة ليس خيارًا مؤجلًا أو ترفًا فكريًا، بل هو مسار حتمي تفرضه طبيعة العصر وتحولاته المتسارعة. فالدول التي تدرك مبكرًا أن العقول هي الثروة الحقيقية، وأن المعرفة هي أساس القوة، ستكون الأقدر على بناء مستقبل اقتصادي مستقر، يحقق النمو ويحفظ الكرامة الإنسانية ويصون حق الأجيال القادمة




