المواطن بين الوصاية والجباية

في بعض النماذج السياسية، لا تُبنى العلاقة بين الدولة والمجتمع على الشراكة، بل على افتراض غير معلن: أن الدولة تعرف مصلحة الناس أكثر مما يعرفونها هم أنفسهم. هذا الافتراض لا يُقال صراحة، لكنه يظهر بوضوح في طريقة اتخاذ القرار، وفي اللغة المستخدمة لتبريره، وفي شكل العلاقة اليومية بين السلطة والمواطن.

وفق هذا المنطق، يُنظر إلى المجتمع باعتباره متقلبًا، سريع التأثر، قابلًا للاندفاع أو الخطأ، ولذلك لا ينبغي إشراكه في القرارات “الكبيرة”. المشاركة هنا تُعد مخاطرة، والنقاش قد يؤدي إلى فوضى، أما الحسم من أعلى فيُنظر إليه باعتباره حماية للجميع، حتى لو لم يفهم الجميع تفاصيله أو أسبابه.

 

هكذا تتحول الدولة من ممثل لإرادة المجتمع إلى وصي عليه. الوصي يقرر أولًا، ثم يشرح لاحقًا. والشرح هنا لا يكون دعوة للنقاش أو المراجعة، بل طلبًا للتفهم والقبول. المطلوب من المواطن ليس أن يقتنع بالمعنى السياسي، بل أن يطمئن ويصبر ويثق بأن ما يحدث هو “الصحيح” أو “الضروري”.

 

هذا المنطق لا يتوقف عند السياسة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد وإدارة الحياة اليومية. فعندما ترى الدولة نفسها الأقدر على معرفة المصلحة العامة، يصبح من الطبيعي أن تتخذ قرارات تمس تفاصيل معيشة الناس دون تفاوض حقيقي معهم. تُفرض الأعباء باعتبارها أمرًا لا مفر منه، وتُقدَّم كحل تقني أو ضرورة اقتصادية، لا كاختيار سياسي كان يمكن مناقشته أو تعديله.

 

في هذه الحالة، يُعاد تعريف دور المواطن. لم يعد شريكًا في تحديد الأولويات، بل طرفًا مطلوبًا منه التحمل. التحمل هنا يصبح قيمة في حد ذاته: من يتحمل يُنظر إليه باعتباره واعيًا ومخلصًا، ومن يسأل أو يعترض يُتهم بعدم الفهم أو بعدم تقدير الظروف. وبهذا الشكل، تتحول الأعباء الاقتصادية من مسألة سياسات عامة إلى اختبار أخلاقي.

 

المشكلة الأعمق أن هذا النموذج لا يقوم على اتفاق واضح بين الدولة والمجتمع. لا توجد معادلة صريحة تقول: ندفع مقابل ماذا؟ ونتحمل إلى أي مدى؟ ومتى نراجع أو نعيد التقييم؟ بدلًا من ذلك، يُطلب من الناس الثقة في النوايا، وتأجيل الأسئلة، وانتظار النتائج، وكأن الثقة يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن التعاقد.

 

ومع تكرار هذا الأسلوب، لا يعود الأمر متعلقًا بقرار واحد أو إجراء محدد، كفرض ضريبة بعينها على مسكن المواطن الخاص أو على هاتفه الخاص، بل يصبح طريقة تفكير كاملة. فالقضية هنا ليست في هذه الضريبة أو تلك، بقدر ما هي في الطريقة التي تُقدَّم بها القرارات: باعتبارها حقائق نهائية لا نقاش حولها، وإجراءات لا يُنتظر من الناس إلا التكيّف معها.

 

مع الوقت، تعتاد الدولة أن تقرر وحدها، ويعتاد المجتمع أن يتلقى ويتكيف. يقل الحوار، وتضعف المشاركة، وتتحول السياسة إلى شأن إداري، بينما يشعر المواطن أن دوره يقتصر على الدفع والتحمل، لا على الفهم أو التأثير. وهنا لا يعود الصمت خيارًا شخصيًا، بل سلوكًا متوقعًا، ولا يعود الغياب عن النقاش العام انسحابًا، بل حالة طبيعية.

 

الخطر في هذا النموذج لا يظهر فجأة، بل يتراكم ببطء. فالدولة التي لا تناقش تفقد تدريجيًا قدرتها على الإصغاء، لأن الإصغاء يصبح غير ضروري. والمجتمع الذي لا يُشارك يفقد إحساسه بالفاعلية، لأن المشاركة لم تعد ذات جدوى. وبين الطرفين، تتآكل الثقة، ليس بسبب صدام مباشر، بل بسبب غياب طويل لفكرة أساسية: أن المصلحة العامة لا تُعرف من طرف واحد فقط، مهما كانت النوايا حسنة.

 

ربما يكون أخطر ما في نموذج الوصاية والجباية أنه يبدو، في ظاهره، منطقيًا ومبررًا، بل وضروريًا في أوقات كثيرة. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الدولة على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على إشراك المجتمع فيه. فحين يُطلب من المواطن أن يدفع ويتحمل ويصمت، دون أن يُسأل أو يُستمع إليه، تتحول السياسة إلى إدارة، والمواطنة إلى عبء. وهنا يظل السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل يكفي أن تعرف الدولة مصلحة الناس، أم أن المصلحة العامة لا تكتمل إلا حين يشارك الناس في تعريفها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!