دكتور محمد يوسف يكتب..الصفقة المرفوضة

لدهاليز السياسة العالمية وكواليس صنع القرار العالمى لا يمثل الظاهر منها دليل نقتفى أثره لنصل الى حقيقة نستطيع من خلالها قياس هذا الأثر وتحليله لنصل إلى افضل احتمالات نضع من خلالها سيناريوهات تختص بالقرار الصائب …. ربما قدر لمصر أن تكون دائماً صانعة للتاريخ خاصة في وقت الأزمات وأن لا أجد مجالاً للشك ان أغلب تلك الأزمات مفتعلة من قبل الخارج لمحاولة طمس او تشوية قوتها الحقيقية سواء على مستوى جغرافية المكان أو عبقرية الأيديولوجية والفكر ناهيك عن تراثها التاريخي الذى بلا شك سيكون له تأثير كبير على الحاضر الآنى والمستقبل العالمى ولنا في ذلك مجالاً أخر وأن كنت لا اشك ان قيادة العالم ستكون بلا منازع من بلادنا المحروسة ومن هنا يأتي الاختبار لان لن ينجح في ذلك المسار التصارعى على قيادة المنطقة والعالم الا من يجتاز جميع الاختبارات بحرفية .
تلك المقدمة ليست عبثاُ فإن اختبار مصر في ملف مياه النيل الذى يعد شريان حياة للشعب المصرى ومسار تنمية للمنطقة الذى كان ولايزال على مر التاريخ الشريان الرابط بين حضارات منطقة حوض النيل ولكن كما رأينا على مدار ال15 عاماً الماضية فخ الصراع الذى نشبته إثيوبيا بشروعها في بناء سد النهضة الاثيوبية وكانت أولى تدخلات القوى العالمية الممثلة في الولايات المتحدة الامريكية على لسان رئيسها دونالد ترامب خلال فترة رئاستة الأولى عندما تدخل وعقد اجتماع على مستوى وزراء الرى والمياه للدول الثلاث في العام 2020 .
وبعد انسحاب الجانب الاثيوبى من الاجتماع في واشنطن دون توقيع اتفاق منصف وملزم لحفظ الحقوق المائية وعدم الاضرار جراء بناء سد النهضة على دولتى المصب مصر والسودان جاءت تصريحات من الرئيس الامريكى دونالد ترامب يطالب ان تقوم مصر بمهاجمة اثيوبيا وضرب سد النهضة وحينها كتب مقالاً تفردت فيه بعنوان ” فخ دونالد ترامب” وانكرت خلاله تصريحات الرئيس الامريكى بأن تهاجم مصر اثيوبيا لان مسار التفاوض هو السبيل الوحيد لحل تلك ا؟لأزمة لان مسار المياه هو مسار للتنمية والبناء وليس مساراً للحرب والقتال لان ما يعيش علية الانسان من نعمة المياه لايمكن ان يكون نقمة يقتل على أثره الانسان ولن يغفر لنا التاريخ فعل مثل هذا… وهكذا ظننا ان السياسة واضحة وان ما تخفية الغرف المغلقة ظاهر وواضح ويمكن تحليله ولكن بعد هجمات السابع من أكتوبر وحرب غزة وفكرة التهجير القسرى للغزاويين الى سيناء ورفض مصر هذا المقترح وباتت مصر على يقين بهذا المخطط وقد اجهضته عن بكره ابيه وعقد مؤتمر للسلام والهدنة بمدينة شرم الشيخ خرج الرئيس الامريكى في تصريحات يعترف خلالها ان أمريكا هي المسئولة عن بناء السد وبتساءل كيف قامت أمريكا بهذا العمل الذى يمكن أن يؤثر على مصر وشعبها وانه كان يعتقد ان نهر النيل يجرى على الاراضى المصرية ولكنه فوجئ ان يأتي من اثيوبيا في تصريحات شبه ساخره ولكنها تحتوى نوايا وتقويض للمسار التفاوضى الذى خاضته مصر على مدار 15 عاماً الماضية ليقول لنا صراحة ان السد امريكى وان التفاوض معنا وليس مع غيرنا وهنا السؤال في مقابل ماذا؟
ان التفاوض الصفرى الذى يقوم على الاخذ والعطا وهنا اتحدث عن التفاوض التجارى الذى هو مبدأ الرئيس الامريكى الحالي كونه من خلفية تجارية عقارية تعتمد على التفاوض من خلال خلق ازات للخصم ثم يأتي ويتفاوض معك ومن هنا تأتى الصفقة …. والتي ربما تكون في ظاهرها الرحمة وفى باطنها شيء أخر ان وقف او تحييد مشروع سد النهضة بأثارة السلبية المتوقعة على مصر والسودان في مقابل اعمار مدينة غزة الساحلية ( ريفيرا الشرق) كما يريدها ترامب كما علن في تصريحات سابقة لن تكون ريفيرا وهى تطل فقط على البحر المتوسط بل لابد من توفير وسائل حياة منختلفة ومنها المياه العذبة وليست بطبيعة الحال المياه الجوفية بل مياه منقوله من اقرب نهر جارى وهنا نتحدث عن نهر النيل ومن هنا تأتى الصفقة بلا تهجير بل نقل المياه من مصر الى غزة بحجة المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني ولا يضر ان يستمر النقل الى إسرائيل نفسها التي تعانى من نقص في المياه العذبة حيث يشكل نصيب الفرد في إسرائيل من المياه نجو 213.9 م3 سنويا في مقابل نصيب الفرد من المياه العذبة في مصر بنحو 560 م3 سنوياً ومن المعقول ان نضمن لمصر الاحتفاظ بحصتها من المياه البالغة 55.5 مليار م3 سنويا من مياه النيل في مقابل هذه الصفقة…. ربما ما أقوله خيالاً ولكنه تم تداولة على بعض مواقع التواصل الاجتماعى وبعض المنصات الإعلامية .
على الجانب الاخر ولو افترضنا هذا السيناريو ماذا سيكون رد الفعل المصرى وصناع القرار في السياسة المصرية …اتيقن القرار برفض الصفقة لأننا في مصر نعى جيداً ان التلاعب بمقدرات الوطن هو عبث ومن يحاول العبث بنا لا يمكن ان يكون موجود وان دهاليز العمل السياسى والتفاوضى وكروت اللعب لا يبنى على فرضيات وخطط قصيرة الاجل بل يبنى على رؤية واستراتيجية طويلة وبعيدة الأمد أن مشروع سد النهضة قد انتهى فعليا ولكنه منتهى فنياً والدليل ان حتى الان لم يضخ الكميات المتوقع منه من انتاج الكهرباء ناهيك عن عن العوار الفني والانشائى الذى بنى به هذا السد فضلاً ان مصر على مدار الأعوام الماضية عملت بشكل فعلى على ضمان مصادر مياه بديلة حتى مع عدم وجود هذا السد ويأتي ذلك من خلال المشروعات العملاقة التي قامت بها مصر في مجال إعادة استخدام المياه وتدويرها ثلاث مرات على مدار العام واستحداث طرق رى موفرة للمياه .
ان مصر على مدار تاريخها القديم والحديث مرت بظروف صعبة كثيرة ولكنها لم تسقط يوماً لانها حتى الأن موجوده وحاضره وحاضنه للامة العربية والافريقية والملاذ الأمن لجميع الشعوب والمنارة التي يقتفى على اسرها بواخر العالم فأن من يمر على مصر لن يضل أبداً … حفظ الله مصر وحفظ الله شعبها.
-دكتوراه فى اقتصاديات المياه والطاقة-




