د/ أحمد حسين يكتب .. الأزمة ليست أزمة تخصصات تعليمية …الأزمة أزمة فقر الإدارة وعجز التنمية

التخصصات التعليمية تتنوع بتنوع طبيعة احتياجات المجتمع فالبحث العلمي مجالة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والتخصصان مهمان لبقاء المجتمع وتطوره ، وبالتالي فإن المجتمع لا يستطيع الاستغناء عن تخصص من التخصصات العلمية أو يتجاهلها لأنه سيكون له مردود خطير على المجتمع ، ومن هنا فإن الدعوة إلى الغاء كليات وتخصصات تعليمية بدعوى أن فرص عملها ضعيفة سيتم تحويل أعدادها إلى الكليات التي لديها فرص عمل كبيرة مما سيؤدي إلي زيادة الضغط على فرص العمل بما مؤداه في النهاية تحويلها لكليات ليس لها فرص وفقا لمنطق ربط التعليم بفرص العمل لا التنمية.
ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه : أين الأزمة ؟ وما الحل ؟
وأما بالنسبة للأزمة فالأزمة هي غياب تعليم حقيقي ينتج مخرجات ونواتج تعلم ذات جودة وكفاءة عالية تطلبه أسواق العمل المحلية وتتهافت عليه أسواق العمل الإقليمية والدولية ، وهذا راجع لغياب التعليم كأولوية لدى الإدارة السياسة للمجتمع، والنظر للتعليم كسلعة لا قيمة وجودية وحضارية، كسلعة تقدم لمن يملك المال لا من يحوز القدرة العقلية النابهة، ليس هذا فقط بل والنظر إليه بمنطق الربح والمكسب فصار تغييب التعليم الحكومي وضعف الانفاق عليه وعدم الالتزام بالنسب الدستورية وفتح الباب في استسهال مخرب للتعليم فيما يسمى بالجامعات الخاصة ولحقت بها الحكومة في السعي للربح ففتحت ما يسمى بالجامعات الأهلية الحكومية لوحة وعنوان بمسمى على مبان من أموال ضرائب الشعب ، لوحة وعنوان لتعليم يستسهل في مخرجاته مقابل الربح بعيدا عن التنظيم والإعداد لمنتج تعليمي كفء ، أضف إلى ذلك فقر الإدارة التنموية وعجزها عن مواكبة تطلعات المجتمع وتحقيق معدلات تنموية تفوق نواتج التعلم ومخرجات التخصصات التعليمية بما يواكبها ويستوعبها في منظومة التنمية ، هذه هي الأزمة وتلك منطلقات وجودها غياب الإرادة السياسية وتسليع التعليم وعجز التنمية عن مواكبة نواتج التعليم ومخرجاته.
وعليه فإن الحل من وجهة نظري ليس إلغاء كليات والنظر لتخصصات بأنها ليست ذات قيمة فهذه نظرة نتاج طبيعية مجتمعية فقيرة، ورؤية لاتنطلق من بنية التعليم كقيمة، والمنهحية العلمية كبنية عمل ومنطلق قرار ؛ بل تنطلق من الطبيعة المجتمعية الفقيرة والرؤية الذاتية للقرار وهو ما يجعلها قاصرة وغير موضوعية ومن هنا فإن الحل من وجهة نظري يتمثل في الآتي:-
1- وقف السياسات التخريبية التي تتم في التعليم الجامعي عبر النظر إليه كسلعة تباع وتشتري لمن يملك المال لا القدرات العقلية وأنا هنا أطالب بتنظيم الجامعات الخاصة وفقا لتحقيق نواتج تعلم تتسم بالكفاءة والجودة ، والغاء ما يسمى بالجامعات الأهلية وما هي سوا جامعات حكومية من أموال الشعب المصري.
2- أن تبني الإدارة السياسية التعليم كأولوية وجود ومستقبل.
3- الالتزام بالنصوص الدستورية في مجال التعليم وتحقيقها وفقا للدستور.
4- الالتزام بالحق في تعليم جامعي مجاني ومتميز لجميع المصريين ينتج نواتج تعلم ذات كفاءة وجودة عالية تتطلع إليها فرص العمل بالداخل وبالمحيط الإقليمي والدولي.
5- بناء وتحقيق بنية سياسية واقتصادية تحقق تنمية مستدامة تحقق عائد نمو أعلى من معدلات نمو السكان ومخرجات التعليم بكافة تخصصاته.
إنني هنا أحب أن أؤكد أنه لا يوجد شيء اسمه تخصص ليس له قيمة مهنية فكل التخصصات التعليمية متكاملة كالجسد كل جزء فيه له قيمة مهمة ولا يمكن الاستغناء عنها لأن الاستغناء عنها عندها لن يقوم الجسد بوظائفه، هكذا التخصصات التعليمية كل تخصص له قيمة مجتمعية وقيمة مهمة، وكل التخصصات العلمية تتكامل مع بعضها بما يخدم المجتمع ويحقق تقدمه، عدم وجود قيمة لها في المجتمع ليس راجع للتخصص بل راجع لفقر بنية الإدارة السياسة التي لم تحقق تنمية تستوعب هذا التخصصات التي منوط بها تطور المجتمع ومواكبته للأمم القادرة، وسأضرب مثال هنا ليس بكليات العلوم الاجتماعية والإنسانية والتي هي غاية في الأهمية والوجود والتي كانت مسؤولة عن بناء نهضة إنسانية جعلت من أوروبا سيدة العالم وصاحبة الحضارة المتطورة والهيمنة على العالم كعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون وأعمال البنوك وتخصصات الاقتصاد والسياسية ومهنة الخدمة الاجتماعية والإعلام والصحافة لن أقول هذا لأنه ربما هناك من ينطلق من رؤية عاجزة وفقيرة وذاتية ويقول أنها ليس لها قيمة اليوم ولن أدخل في هذا الجدل سأدعه لمقال آخر .
سأقول كلية العلوم والتي هي المسؤلة عن تطوير بنية المجتمعات وتقدمها والتي تتميز تخصصاتها في مجالات الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والجولوجيا.. وتعد الوسيلة لفهم العلوم الطبيعية الفيزيائية ومن ثم فهي المسؤلة عن تقدم الأمم ونهضتها ولما لا فإن تحدثنا عن الطاقة النووية تحدثنا عن كلية العلوم، وان تحدثنا عن استصلاح الأراضي الصالحة للزراعة تحدثنا عن كلية العلوم، استخراج النفط تحدثنا عن كلية العلوم ،عن الدواء كلية العلوم، عن تطور مهنة الطب من مخترعات وتقنيات تحدثنا عن كلية العلوم، تحلية المياه كلية العلوم، العالم أحمد زويل الفيمتو ثانية التي فتحت آفاق الطب وعلاج المرضى، عصام حجي رئيس برنامج ناسا لاكتشاف الماء في الفضاء مصطفى مشرفة سميرة موسى يحي المشد كل هذا هو كلية العلوم.
هذه الكلية المهمة والعظيمة والمسؤل تخصصاتها عن كل تقدم لإي وطن بل والمسؤلة عن بناء القوة والقدرة للأمم وتقدمها ونهضتنا وقوتها والتي تحتاجها اليوم مصر في ظل أزمتها ، ولما لا وعلى سبيل المثال لا الحصر صراع امتلاك و الهيمنة على إنتاج وقوة الطاقة النووية كلية العلوم هذه الكلية ليست لها قيمة ولا فرص عمل في مصر فخريجوها يعملوا معلمين كمياء وفيزياء في مصر فهل العيب فيها؟ هل نلغيها؟ لأن فرص العمل لها محدودة.
هل العيب في خريج كلية العلوم حقا ؟ أم العيب في المجتمع وفقر اداراته السياسية والتي لم ترسخ وتبني أسس تنموية تستوعب كلية العلوم وتخصصاتها؟ التي لم ولن يكون هناك نهضة وتقدم وقوة وقدرة إلا بتوظيف تخصصاتها لخدمة المجتمع ومواجهة قضاياه وتحدياته.
طبعا الإجابة أن العيب ليس في كلية العلوم بقدر ما هو في الإدارة السياسية العاجزة عن فتح آفاق التنمية أمام تلك التخصصات التي وإن حدثت ستأخذ الوطن لأفق أفضل للنهضة وللتطور والتقدم.
سأضرب مثال آخر هناك بطالة في خريجي كليات التربية بالرغم من وجود عجز صارخ في المدرسين بالتعليم هناك ٦٥٠ ألف معلم عجز وبالرغم من هذا فإن الدولة تترك هذا العجز الصارخ يضرب منظومة التعليم قبل الجامعي في مقتل ولا تعيين خريجي كليات التربية، إذا الأزمة هنا تكون في من ؟ في التخصص المهم بل شديد الأهمية وعدد خرجيه أم في ادارة منظومة النعليم التي تغل هذه الوظائف بالرغم من العجز الصارخ ولا تولي ذلك أولوية بالرغم من أهمية التعليم الجليه لحاضر الوطن ومستقبلة!!!
يا سادة لا يوجد تخصص مهم وآخر غير مهم بل يوجد تخصصات تعليمية تكمل بعضها وتغطي الجوانب الإنسانية والمجتمعية للحياة كل يؤدى دورة بما يحقق التطور والتقدم ويساهم في بناء حياة سعيدة للإنسان.
الأزمة ليست أزمة التخصصات التعليمية وعدد مخرجاتها ونواتجها ؛ الأزمة أزمة قصور الرؤية وتغييب التعليم كقيمة وجَوّْدة وعجز الأنظمة السياسية في بناء وتحقيق تنمية مستدامة تواكب نواتج التعلم وتنوعها وتغيرات السكان ومتطلبات وجودهم.




