السباتة السياسية “١” والدي وسعد زايد

كانت لوالدي ( سباتة )،وكانت ملتقى رؤوس العائلات، والسياسيين من شتى المشارب والاتجاهات،وكانت السباتة بمدينة ساحل سليم – قرية أيامها- وتقع بجوار سور جنينة بيت تمام، -من عائلة السليني الشهيرة – وهي حديقة فواكه شهيرة وكبيرة ولها سور يمتد من الترعة الفاروقية -نسبة للملك فاروق الذي شقها – غربًا وحتى حدود عائلة الشهاينة شرقًا، كان سورها ضخمًا وبوابتها كبيرة بضرفتين عملاقتين ، وكان يستأجرها بالمشاركة دوًما المقدس أيوب والحاج عدلي، وهما من كبار تجار الجناين وقتها من قرية الشامية


وأمام السباتة تقع أرض والدي عبدالحميد حسن، وبها عدد كبير من (بُور) الفحم، يطلق عليها بالوجه البحري مكامير، وكان والدي من كبار تجار الفحم والأخشاب، وكان يعمل معه حوالي ١٥٠ عاملًا منهم فنيون يسيرون على مكامير الفحم المشتعلة والمغطاة بقش الأرز وطبقة طينية رقيقة للغاية بأرجلهم الحافية بخفة سحرية ، وكانت فحوماته واخشابه تباع بالقاهرة عبر عربيات نقل كبيرة ، وأمام السباتة (كارة) عبدالحميد، وهي مكان كبير للغاية مسور بسور ضخم يصل ارتفاعه لـ ٧ أمتار ومدخله بوابة كبيرة بضرفتين عملاقتين،وبداخلها بئر ، ولا أعرف لماذا سُميت ( كارة)، كانت الكارة ملكًا لأحد باشوات بلدنا واشتراها والدي.
أما عن (السباتة)، فهي عبارة عن مبنى بالبوص- عيدان الذرة- ومغطى بعجينة من الطين ومسقوف بجزوع شجر ومغطى بالبوص المُطين
والسباتة مفروشة بحصيرة وكليم من الصوف وبها عدد من الدكك وامامها ( دمسة) لا تنقطع نارها ليلًا ولا نهارًا ، وبالدمسة عدد من الكنك الأسود لإعداد الشاي الصعيدي المغلي بسكره، وحول ( الدمسة) يتجمع عدد كبير من أهالي ساحل سليم، بعضهم يجلس على الدكك وبعضهم يجلس على الحصيرة او الكليم، وآخرون يتحلقون حول الدمسة على الأرض، والكل يمسك بأكواب شاي صغيرة، وداكنة،ومن داخل الكارة كانت تخرج وجبات الطعام على صواني نحاسية كبيرة في أوقات الطعام الثلاثة، ولكن الوجبة الرئيسة تكون وجبة العشاء الدسمة

الغالبية العظمى من رواد السباتة كانوا يتعاطون الافيون و(الفولة)
رواد السباتة تتفاوت خلفياتهم السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية.
بعض الرواد أعضاء مجالس محلية، وبعضهم معارضون أرباب معتقلات-شيوعيون في الغالب، ومنهم نظار مدارس ومعلمون وتجار
ما زلت أتذكر بعضهم، ومعظمهم كان له تأثير كبير في حياتي:
الشيخ عبدالرحيم وكان مديرًا للمعهد الأزهري، وكان رجلًا انيقًا، ومثقفًا ثقافة دينية وسياسية
والأستاذ عزمي رومان وشهرته يوسف وكان معلمًا بالمدرسة الابتدائية التي كنت أدرس بها وقتها وكان طويلًا ونحيفًا بشكل غير طبيعي، وكنا ونحن اطفالًا نعتقد انه إلهًا بسبب هذا الطول ( ليس مثله شيء)كانت تصحبه دومًا داخل الفصل (جلده) وهي سير ماتور وكانت له شتيمة مشهورة يقولها لكل التلاميذ ( يا أبن آوى)


وكنت مريضًا في صغري وكان يصحبني لطبيب مشهور باسيوط اسمه دكتور مجدي أمين وكان سمينًا للغاية وعيادته باشهر عمارة باسيوط بجوار المنفذ، وكتب لي مضادات حيوية طويلة المدى، ومنعني من أكل طعامًا مالحًا، وكانوا يعدون لي طعامًا من غير ملح، وكان بالقرب من السباته كشك لأحد أقاربنا وكان يبيع مخللًا في أوانٍ فخارية ، وكنت اتناول الطعام المخصوص من غير ملح واذهب للكشك يصب لي مياه مخلله الجميل في كبايات لاشربه بالهنا والشفا. وكان للاستلذ عزمي رومان شقيق طويل مثله اسمه فوزي رومان وكان مقاولًا-وهو من بنى لوالدي بيوته – وكان يقيس الأراضي في المنازعات، ولا يطمئن المتنازعون الا في وجوده ، وكان يشرب سجاير لف وكانت أصابعة الطويلة عليها آثار التبغ
كانت لجنة المصالحات تنعقد بالسباتة السياسية وكانوا يحلون المشكلات بطريقة بسيطة وسريعة، وكان يكتب محاضر الصلح هاشم فرغلي وكان موظفًا بمحلس المدينة وكان يتمتع بخط فائق الجمال والروعة، ولديه حس سياسي كمنظر كبير، واتذكر علي عبدالوهاب وعبدالخالق أمين من عائلة الشهاينة، وعلى ابوزيد عبدالقادر من عائلة عبدالقادر ومن كبار ملاك ساحل سليم، وعدد كبير من الشخصيات المؤثرة سأكتب عنهم لاحقًا
كانت الأحاديث السياسية هي المسيطرة على القعدة باستمرار ، يتناولون العلاقات بين الشرق والغرب والحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية والصراع العربي الصهيوني والاتحاد الاشتراكي
كان والدي عضوًا بالمجلس المحلي وبالتأكيد بالتنظيم السياسي الواحد الاتحاد الاشتراكي ومن حكاياته انه تم استدعاءهم مرة للاجتماع مع محافظ أسيوط سعد زايد وقتها وكان أحد الضباط الأحرار، وتولى محافظًا لأسوان ومن بعدها أسيوط، ثم القاهرة ومنها لوزارة الإسكان

حكى والدي: إنه تم استدعاءهم لمبنى المحافظة لاجتماع ضم ممثلين عن كل المراكز من أعضاء المجالس المحلية وقتها وهم أنفسهم ينتمون للتنظيم الواحد وكان وقتها الاتحاد الاشتراكي
ولا يوجد تاريخ موثق لتولي سعد زايد محافظًا لأسيوط،بعد توليه لمحافظة سوهاج ، ولكنني وجدت على موسىعة ويكيبديا انه تولى محافظة أسوان من ١٠ سبتمبر ١٩٦٠ وحتى ٢٤ نوفمبر ١٩٦١ وبالتالي يكون قد تولى محافظة أسيوط من ٢٥ نوفمبر ١٩٦١ وحتى يوليو ١٩٦٥ ،ليذهب محافظًا للقاهرة في يوليو ١٩٦٥ وخرج منها وزيرا للإسكان في نوفمبر ١٩٧٠واستمر بها حتى ١٤ مايو ١٩٧١ ليسجن بعدها مباشرة في ١٥ مايو ١٩٧١ فيما سماه السادات بثورة التصحيح ، وقبض عليه مع مجموعة كبيرة من وزراء ومحافظي عبدالناصر فيمن سماهم السادات: مراكز القوى
وبالتالي فسعد زايد كان محافظًا لأسيوط ما بين ٢٥ نوفمبر ١٩٦١ وحتى يوليو ١٩٦٥
وعودة لاجتماع والدي كأحد ممثلي مراكز أسيوط مع سعد زايد
يحكي والدي: بدأ سعد زايد اجتماعه بنا يحكي عن الثورة وعن إنجازاتها
وعن المجالس المحلية وأهميتها، ورفع أحد الأعضاء يده طالبًا الكلمة ، فباغته المحافظ شاخطًا: مش عايز حد يفتح بقه بكلمة ، إحنا جايبنكم تسمعوا زي الـ ……..( حيوان أليف مطيع وفي )


يقول والدي : انتهى الاجتماع وغادرنا ولم أعد مشاركًا في أي اجتماع ولا مجلس محلي ولا اتحاد اشتراكي ولا أي تنظيم بعدها، وحتى وفاته كان دائم الاستماع للنشرات سواء بالراديو وخاصة البي بي سي وهي كانت المحطة الرسمية للسباتة وقتها
وظلت عائلتنا محرومة من التمثيل بأي مجالس محلية من وقتها وحتى ٢٠٠٢ عندما قمت وعدد من الشباب بالترشح عن حزب التجمع والوفد ونجح عدد منا ،منهم خالد كامل خزام عن حزب الوفد وأنا عن حزب التجمع،وعدد من أعضاء التجمع والمستقلين، وكنت منسقًا للمجموعة وقتها وبانتخابات المحليات ٢٠٠٨ وكنا قد قمنا بحل كل المجالس المحلية في الدورة السابقة، وظل تمثيلنا حتى استقالتنا مع بداية ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وقبل حل المجالس بحكم من المحكمة الإدارية العليا
كان سعد زايد مشهورًا بالعنف وقاسيًا على الملاك ومع المستأجرين على طول الخط ومن روايات عنفه أنه كانت هناك مدرسة كبيرة بمدينة أسيوط بنتها عائلة ويصا الشهيرة، وهي عائلة مهتمة بالتعليم وتنفق عليه وهي صاحبة مدرسة الخياط للبنات
كانت ويصا باشا بقطر وشقيقه حنا باشا بقطر قد أقاما المدرسة الثالثة على مساحة ٤ فدادين، وتولى قيادتها كمدير ثم كشريك الأستاذ عزيز عباس وكانت له شنة ورنة كقيادة تعليمية، حتى جاء سعد زايد محافظًا فقرر الاستيلاء على المدرسة وارغم أصحابها على التبرع بها لقيم علي أرضها مدرسة أصغر ومساكن شعبية، ولكن الأستاذ عزيز عباس رفض ترك المدرسة وكان يسكن بطابقها العلوي – كانت من طابقين- ورفض مغادرة المدرسة وقال: (على جثتي) فقام مقاولوا هدد سعد زايد بهدم المدرسة من دورها الأرضي، فانهارت المدرسة، دافنة الأستاذ عزيز عباس تحت انقاضها ، وانتقل عزيز عباس للرفيق الأعلى -والذي كان واعظًا كنسيًا بالمدرسة بجانب عمله بالتعليم ، ليكون شهيدًا للتعليم، وما زالت ابنته سامية عزيز تسير على دربه كمديرة لمدرسة السلام للغات وهي أهم مدرسة لغات بالصعيد، ومن أكثر المدارس انضباطًا وإقبالًا ( صلاح على فراج Salah Eldin Aly)
ومن الروايات الشهيرة عن المحافظ سعد زايد قوله: (انا أعطيت القانون إجازة) فعندما كان محافظًا للقاهرة أصدر قرارًا بغلق محل فلجأ صاحبه للقضاء الإداري، الذي الغى قرار سعد زايد، ولكنه رفض تنفيذ حكم المحكمة قائلًا: أنا عطيت القانون أجازة، وكان سعد زايد يتتبع موضوع ( خلو الرجل، ويجبر الملاك الذين ينكرون انهم تقاضوا خلوات على الرغم من التحريات على رده للمستأجرين، ومن يرفض يأمر شرطة المرافق بالقبض عليه وحبسه، ويتم رفع تقارير باعتباره سارق أموال الشعب ويتم التحفظ على أملاكه ومنعه من السفر بعد إبلاغ مصلحة الجوازات( المستشار شفيق إمام ، ما قل ودل : المحافظ الذي اعطى للقانون والقضاء إجازة، موقع الجريدة ) https://www.aljarida.com/articles/1462000104476446500

ويبدو أن عبدالناصر أعجب بجرأته في تنفيذ قانون الإيجارات فرقاه وزيرًا للإسكان
ومن الروايات التي تدل عنفه في التعامل مع مرؤسيه عندما كان محافظًا لأسوان -حسب رواية منتصر الزيات بالمصري اليوم بالعدد الورقي ١٤٢٧ بمقاله أسوان الحديثة نقلًا عن محمد وحيش شيخ الصحفيين بأسوان – أن سعد زايد(كان يتعامل في تنفيذ إجراء التحولات وتنفيذ القرارات بيده وقدمه أي بالعضلات، ولا يستنكف في ضرب أي مسؤول يتأخر في تنفيذ التوجهات الصادرة إليه، لذلك كان رؤساء الإدارات يهابونه.)
ومن القرارات التي اتخذها زايد وتدل على اهتمامه بالطبقات الفقيرة يقول الزيات: ( تقديم الخدمة العلاجية للمواطنين في عيادات الأطباء الخاصة ما بين الخامسة عصرا حتي التاسعة مساء بثلاثة قروش فقط علي أن تعوض المحافظة الأطباء بخمسين جنيها شهريا!! وطبق الأطباء هذا القرار علي مضض واستفاد المواطنون استفادة كبيرة.)
وبجريدة الدستور في ٢٩ يوليو ٢٠٠٨ يحكي المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة العدل قصة -ليست حقيقية : ( «كثر النفاق في عهد الرئيس عبدالناصر، لدرجة أنه كافأ ورقي من فضله علي الانبياء موسي وعيسي ومحمد في إحدي خطبه، وهو محافظ أسيوط في هذا الوقت، بأن أتي به محافظاً للقاهرة،ثم وزيرًا ) ولكن حسنين كروم الكاتب الصحفي الناصري الشهير يكذب الرواية ويقول بعدد ١٥٢٩ بالمصري اليوم ( ويؤسفني القول إن هذه الواقعة لم تحدث، وهو يشير إلي المرحوم سعد زايد أحد ضباط ثورة 23 يوليو عندما كان محافظاً لأسيوط، وحقيقتها أن عبدالناصر زارها لافتتاح عدد من المشروعات ثم حضر مؤتمراً جماهيرياً خطب فيه سعد، وتحدث عن العدل الاجتماعي الذي طبقه سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه وأرضاه – وسير عبدالناصر علي خطاه..
ولم يحدث أن ذكر أسماء الرسل، وفضل ناصر عليهم)
لا شك أن ثورة يوليو كانت لها منجزات عظيمة كالسد العالي والتصنيع والتعليم، والاهتمام بالعمال والفلاحين ولكن بعض موظفيها كانوا يتعاملون مع المواطنين كما فعل سعد زايد مع مواطني أسيوط فجعل معظم المواطنين الذين يحفظون كرامتهم يبتعدون عن كل التنظيمات حينها، واعتقد ان ذلك النهج ما زال قائمًا
وإلى مقال آخر عن السباتة السياسية ومقال ( والدي والشيوعيون )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!