الرئيس السيسي يتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيسة وزراء اليابان لبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتطورات الأوضاع الإقليمية وزارة النقل تطلق التشغيل التجريبي لربط أحياء الشروق بمحطة القطار الكهربائي الخفيف LRT رئيس جهاز حماية المستهلك يترأس غرفة العمليات المركزية لمتابعة حالة الأسواق وتوافر السلع مركز المناخ يرد: البطيخ آمن 100% في الأسواق.. وشائعات “المسرطنات” تستهدف ضرب الفلاحين إبراهيم حسن: منتخب مصر يطير إلى أمريكا 30 مايو لخوض بطولة كأس العالم وزير البترول يستعرض رؤية مصر لتعظيم العائد الاقتصادي من قطاع التعدين أمام منتدى المعادن الحرجة بإسطنبول وزير الاتصالات يفتتح أكبر مركز توزيع للتجارة السريعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لشركة طلبات مصر  الأطفال أولًا.. مطالب بقانون أحوال شخصية جديد يواجه أزمات الأسرة ويحمي الصغار وزير الاستثمار يبحث مع سفير التشيك تعزيز الشراكة الاستثمارية والتجارية وتوطين التكنولوجيا المتقدمة محمد فراج: الأطفال بعد الطلاق يعانون في صمت.. والمشرف الاجتماعي هو الحصن الحقيقي داخل المدارس

ذكرى تحرير سيناء: بين الحرب والسلام وثمن القرار

سيناء… الأرض التي عادت مرتين

ليست ذكرى الخامس والعشرين من أبريل مجرد مناسبة وطنية عابرة، ولا احتفالًا تقليديًا باستعادة أرض، بل هي ذكري  مليئة بالدلالات، تختصر مسارًا طويلًا من الصراع والإرادة والحسابات المعقدة. ففي هذا اليوم، لا تستعيد مصر سيناء فقط على الخريطة، بل تستعيدها في الوعي الجمعي بوصفها نموذجًا لما يمكن أن تفعله دولة حين تتكامل لديها أدوات القوة: السلاح، والسياسة، والصبر.

تبدأ الحكاية من عام 1967، حين سقطت سيناء تحت وطأة الهزيمة، لتدخل مصر بعدها مرحلة إعادة بناء شاملة، لم تكن عسكرية فقط، بل نفسية وسياسية أيضًا. وعلى مدار سنوات، تشكّل وعي جديد قائم على أن استرداد الأرض يمر أولًا عبر استرداد القدرة.

من الهزيمة إلى العبور: إعادة تعريف الممكن

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية ناجحة، بل لحظة مفصلية أعادت صياغة معادلة القوة في المنطقة. فقد أثبتت أن الإرادة قادرة على كسر الجمود الاستراتيجي، وأن “المستحيل” ليس إلا توصيفًا مؤقتًا تفرضه موازين مختلة.

غير أن الحرب، على أهميتها، لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية مسار أكثر تعقيدًا؛ إذ إن استعادة الأرض كاملة تطلّبت انتقالًا محسوبًا من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض، دون التفريط في النتائج التي تحققت على الأرض.

السلام كامتداد للحرب

جاءت اتفاقية السلام تتويجًا لمسار لم ينفصل يومًا عن معطيات المعركة، بل انبنى عليها. لم يكن السلام نقيضًا للحرب، بل امتدادًا لها بأدوات مختلفة. ومن خلال هذا المسار، عادت سيناء تدريجيًا إلى السيادة المصرية، في واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا في إدارة الصراع وتحويله إلى تسوية.

وقد حظي هذا التحول باعتراف دولي تُوّج بجائزة نوبل للسلام، في دلالة على أن ما تحقق لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل انتقالًا نوعيًا من دائرة الصراع المفتوح إلى أفق أكثر استقرارًا.

ثمن القرار: عزلة لا تُرى في الصور

غير أن هذا الخيار لم يكن بلا كلفة. فمع توقيع الاتفاقية، واجهت مصر مقاطعة عربية واسعة، دخلت معها في مرحلة من العزلة السياسية والاقتصادية، بدت في حينها كأنها ثمن لا يقل قسوة عن الحرب نفسها.

وهنا تتجلى إحدى الحقائق التي يغفلها كثيرون: أن استعادة سيناء لم تكن فقط نتاج معركة على الجبهة، بل أيضًا نتيجة صبر طويل على تبعات قرار سيادي، تحمّلته الدولة والمجتمع معًا، في لحظة لم تكن فيها الخيارات مفتوحة، بل محكومة بضرورات قاسية.

الدولة التي لا تختار ترفًا

القراءة المنصفة للتاريخ تكشف أن مصر لم تتحرك يومًا في هذا الملف من منطلق الرفاهية السياسية، بل من منطلق الضرورة الوجودية. فالجغرافيا والتاريخ يفرضان على الدولة المصرية أدوارًا تتجاوز حدودها، وتضعها دومًا في قلب توازنات إقليمية معقدة.

وعلى امتداد تاريخها، لم تكن مصر مجرد دولة، بل مركز ثقل حضاري، ومجالًا لصراع القوى، وملاذًا للهجرات، وساحةً لمقاومة الغزاة. وفي كل مرة، دفعت الثمن، لكنها احتفظت بما هو أهم: قدرتها على الاستمرار.

المخزون الحضاري: سر البقاء

لقد اعتادت مصر، منذ فجر التاريخ، ممارسة دورها الحضاري، واعتادت كذلك دفع ثمن هذا الدور. غير أن هذا المسار لم يكن عبثيًا، بل تراكمًا لصياغة شخصية دولة عصية على الانكسار.

فتاريخيا قادت مصر ضمير البشرية، فانبثق منها فجر  الضمير والعلم والوعي، ثم في مرحلة اخري قادت الكنيسة روحيًا كنائس العالم، وشارك آباؤها في تشكيل الفكر اللاهوتي، ومنحوا الشرعية الروحية لسلطات كبرى، ثم واجهت غزوات واحتوت موجات بشرية متلاحقة، وصارعت أطماعًا لا تنتهي. وفي كل مرة، دفعت كلفة هذا الموقع.

ورغم ذلك، لم تفقد توازنها، لأن مخزونها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين منحها قدرة استثنائية على التكيف. فبقيت دولة لا تفنى، ما بقيت صلتها بأبنائها، وما بقي أبناؤها ممتزجين بأرضها وذاكرتها.

سيناء كمعادلة مصرية خاصة

إن ذكرى تحرير سيناء ليست مجرد استرجاع لحدث، بل هي تجسيد لمعادلة مصرية دقيقة:

الأرض تُسترد بالإرادة، وتُصان بالتضحيات، وتُحفظ بالوعي.

فما جرى لم يكن قرارًا لحظيًا، بل نتيجة تراكُم استراتيجي بدأ بإعادة بناء القوات المسلحة، مرورًا بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى العبور، ثم إدارة سياسية للصراع اتسمت بالبراغماتية والانضباط.

بين الإجمال والتفصيل: كيف تُقرأ التجربة؟

في الإجمال، تؤكد التجربة أن الأوطان لا تُسترد بالشعارات، بل تُبنى عبر مسارات مركبة من القوة والعمل والصبر.

أما في التفصيل، فهي تكشف عن طبقات متداخلة: دماء سالت، وعقول خططت، وشعب تحمّل، ودولة قررت أن تمضي في طريقها رغم العزلة والرفض.

وهنا تكمن خطورة القراءة السطحية؛ إذ إن اختزال هذه التجربة في موقف سياسي أو تقييم أخلاقي سريع، يُغفل تعقيداتها، ويتجاهل أنها كانت في سياقها أقصى الممكن.

ليست سيناء مجرد أرض عادت، بل تجربة تُعلّم.

تُعلّم أن القرار السيادي له ثمن، وأن السلام—كالحرب—ليس خيارًا سهلاً، بل مسؤولية ثقيلة.

وتُعلّم قبل ذلك وبعده أن الدول لا تُقاس بما تتجنبه من أزمات، بل بقدرتها على العبور خلالها.

وبين الدم والسلام، كتبت مصر فصلًا نادرًا في التاريخ: استعادت أرضها، وتحملت كلفة قرارها، وأثبتت أن ما يُسترد بالإرادة لا يُحفظ إلا بالوعي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!