بَيْنَ خَدِيعَةِ الْمَشْهَدِ وَمَرَارَةِ الْحَصَادِ: قِرَاءَةٌ فِي الرَّصَاصِ السِّيَاسِيِّ…

لَا يَبْدُو مُسْتَبْعَدًا فِي عَالَمِ السِّيَاسَةِ الْمُعَاصِرَةِ أَنْ تَكُونَ مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالِ الرَّئِيسِ الْأَمْرِيكِيِّ دُونَالْد تْرَامْبَ لَيْسَتْ سِوَى فَصْلٍ مَسْرَحِيٍّ مُتْقَنٍ يَرْمِي مِنْ وَرَائِهِ إِلَى اسْتِدْرَارِ عَطْفِ الْجَمَاهِيرِ وَتَشْوِيهِ خُصُومِهِ.
فَالرَّجُلُ الَّذِي بَنَى مَجْدَهُ عَلَى إِثَارَةِ الْجَدَلِ، قَدْ لَا يَتَوَرَّعُ عَنْ صِنَاعَةِ مَظْلُومِيَّةٍ تُعِيدُ تَرْمِيمَ صُورَتِهِ أَمَامَ نَاخِبِيهِ.

وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ الْمَنْطِقَ يَقُولُ أَيْضًا إِنَّ مَا حَدَثَ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً صَارِخَةً؛ فَهِيَ لَيْسَتْ إِلَّا حَصَادًا مُرًّا لِمَا بَذَرَهُ تْرَامْبُ بِنَفْسِهِ فِي تُرْبَةِ الْمُجْتَمَعِ الْأَمْرِيكِيِّ مِنْ بُذُورِ الْعُنْفِ، وَازْدِرَاءِ الْقَوَانِينِ، وَتَحْطِيمِ الْأَعْرَافِ السِّيَاسِيَّةِ الرَّصِينَةِ.
إِنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ إِنْ صَحَّتْ تَعْكِسُ وُصُولَ حَالَةِ الِاحْتِقَانِ وَالْغَضَبِ الشَّعْبِيِّ إِلَى ذُرْوَتِهَا، وَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنِيفٌ عَنْ إِحْسَاسٍ مُتَزَايِدٍ بِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَمْضِي وَالرَّئِيسُ الْأَمْرِيكِيُّ دُونَالْدُ تْرَامْبُ فِي سُدَّةِ الْحُكْمِ، يُمَثِّلُ تَهْدِيدًا وُجُودِيًّا لِكَيَانِ الدَّوْلَةِ وَمُسْتَقْبَلِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَهَنَاكَ احْتِمَالَانِ.
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: صِنَاعَةُ بَطَلٍ وَهْمِيٍّ لِكَسْبِ مَعْرَكَةِ الصَّنَادِيقِ.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: انْفِجَارُ بَحْرِ الْكَرَاهِيَةِ الَّذِي أَجَّجَهُ الرَّجُلُ بِلِسَانِهِ وَأَفْعَالِهِ.
بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ، تَقِفُ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ أَمَامَ مِرْآةِ وَاقِعِهَا الْمُنْقَسِمِ، حَيْثُ اخْتَلَطَتِ الْحَقَائِقُ بِالْأَوْهَامِ، وَبَاتَ الرَّصَاصُ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقِيًّا أَوْ صَوْتِيًّا هُوَ اللُّغَةَ الطَّاغِيَةَ فِي مَيْدَانِ السِّيَاسَةِ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى الشَّخْصِيَّةِ الْمَسْؤُولَةِ عَنْ مُحَاوَلَةِ الِاغْتِيَالِ الْأَخِيرَةِ، نَجِدُ أَنَّهَا تُعِيدُ إِلَى الْأَذْهَانِ دَرْسًا قَاسِيًا فِي فَهْمِ التَّطَرُّفِ؛ فَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا مُعْدَمًا، بَلْ كَانَ مُهَنْدِسًا يَتَمَتَّعُ بِمُسْتَوًى مَعِيشِيٍّ وَتَعْلِيمِيٍّ رَفِيعٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ صُورَتَهُ النَّمَطِيَّةَ الْمُرَتَّبَةَ قَدْ تُسْتَغَلُّ بِخُبْثٍ لِبِنَاءِ مَظْلُومِيَّةٍ زَائِفَةٍ، تُحَاوِلُ إِقْنَاعَنَا بِأَنَّ مَنْ يَحْمِلُ هَذِهِ الْمُوَاصَفَاتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُجْرِمًا، وَأَنَّ اتِّهَامَهُ لَيْسَ إِلَّا ضَرْبًا مِنَ الظُّلْمِ، وَلَكِنَّ الدَّرْسَ الْجَوْهَرِيَّ هُنَا هُوَ:
● إِنَّهُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِرْهَابِيُّ أَوِ الْمُجْرِمُ ذَا شَعْرٍ مُنَفَّشٍ أَوْ هَيْئَةٍ رَثَّةٍ، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ نِتَاجًا لِلْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ.
● أَنَّ الْجَرِيمَةَ الْفِكْرِيَّةَ لَا تَعْرِفُ الْفَوَارِقَ الطَّبَقِيَّةَ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْجَانِي مُتَعَلِّمًا تَعْلِيمًا عَالِيًا، مُثَقَّفًا، بَلْ وَثَرِيًّا أَيْضًا، لَكِنَّ عَقْلَهُ قَدْ تَلَوَّثَ بِأَيْدِيُولُوجِيَّةٍ تَجْعَلُ مِنْهُ أَدَاةً لِلْخَرَابِ.
لِذَا، وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنْ تِلْكَ الْخَدِيعَةِ الْبَصَرِيَّةِ؛ الَّتِي تَقُولُ: كَيْفَ لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ إِرْهَابِيًّا؟؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَؤُولُ إِلَى أَنَّ الْفِكْرَ الْمُنْحَرِفَ لَا تَعْصِمُ مِنْهُ الشَّهَادَاتُ الْعِلْمِيَّةُ وَلَا الْأَرْصِدَةُ الْبَنْكِيَّةُ.
فَالْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ يَكْمُنُ فِي الْكَرَاهِيَةِ حِينَ تَتَلَبَّسُ لِبَاسَ الْعَقْلِ، وَفِي الرَّصَاصِ حِينَ يُصْبِحُ بَدِيلًا عَنِ الْحِوَارِ.




